الرحيل إلى المجهول ــ النطق بالحكم ــ
آرام كربيت
ــ إنتم لستم دولة الوحدة.. ألم تشاركوا بجيشكم مع الأمريكان في حفر الباطن. هل الأمريكان عرب! هل جاؤوا من أجل الوحدة العربية!. إذاً لماذا أرسلتم جيشكم لمحاربة دولة صغيرة من العالم الثالث؟ . مضى على وجودكم في لبنان ثمانية عشرة عاماً.. تحولتم خلال هذ الوقت الطويل إلى عرابي الحرب الأهلية والطائفية فيها. أين الوحدة التي تنادون بها.
الوحدة ليست جيش وقوات مسلحة وبوليس سري وقتل المواطنين وانتهاك الأعراض.
ألم ترسلوا جيشكم لمؤأزرة الكتائب في لبنان..
من قتل الفلسطينين في تل الزعتر.. من قام بها.. من قتل الفلسطينين في المخيمات.. وفتت منظمة التحرير الفلسطينية.. أليست قيادتكم.. هل كان هذا من أجل الوحدة العربية.
أين الحرية.. والمواطن في بلدنا يسجن ويعتقل لمجرد رأيه.. ألسنا في السجن بسبب آرائنا ومواقنا المختلفة عن آراء حكومتكم. لماذا نحن في السجن.. والأشتراكية التي تتحدثون عنها جعلت المواطن يتحول إلى شحاذ.
تكلموا عن مجزرة جسر الشغورومجزرة حلب وغيرها من المدن السورية. وقالوا:
ــ لقد مضى على وجودنا في السجن ثلاثة عشرة عاماً سجناً عرفياً.. أليس هذا مخالفاً للدستور الذي أشرف عليه رئيس الجمهورية في عام 1972. والدستوريقربعدم توقيف كائن من يكون إلا بنص قانوني محدد. اليوم بعد مضي هذه المدة الطويلة تتذكرون إننا جمعية سرية معادية للدولة ونريد أن نغيرها. ثم متى كان الشيوعيون معادون للأشتراكية وفي صلب برنامجنا السياسي الدعوة للحرية والديمقراطية وتداول السلطة والوحدة العربية وبناء الأشتراكية.
لقد تكلم جميع رفاقنا في محكمة أمن الدولة بنفس الروح والثقة العالية. ولم يرد النوري بأي كلمة.. فقط كان يوجه الأتهام ويسكت.
سمح القاضي لكل واحد أن يتكلم براحته.. لم يقاطع أحدهم بكلمة إلى حين أن ينتهي من مداولة أقواله.
في النصف الأول من شباط. أعتقد في 13 شباط. أخذوا الفئة الثانية من المعتقلين من الحزب الشيوعي /المكتب السياسي/. بأستثناء المرحوم رضا حداد الذي كان في المستشفى من أجل إجراء العملية الجراحية لركبته.
كبلونا بالسلاسل كالعادة واحكموا قيدنا وساروا بنا إلى المحكمة. وضعونا في القفص.. بعد أن فكوا وثاقنا وتركونا ننتظر مجيء القاضي فايز النوري. كان هناك عدد من المحامين منهم حسن أسماعيل عبد العظيم ومنير العبد الله وخليل معتوق.
عندما اكتملت منصة القضاة.. من القاضي فايز النوري والقاضي الثاني عبد الله التللي والقاض العسكري. دعا النوري بأسم عمرالحايك.
قال له مثلما قال لكل المعتقلين السياسيين:
ــ أنت متهم بالأنتماء إلى جمعية سرية بقصد تغيير كيان الدولة السياسي والأقتصادي.
ــ أنت متهم بمناهضة أهداف الثورة في الوحدة والحرية والأشتراكية.
مجرد أن بدأ عمر يتكلم.. من أول كلمة أسكته ولم يسمح له بالتكلم وقال له عد إلى مكانك. لم يكن القاضي فايزالنوري يريد ان يكررما حدث مع رفاقنا في المحاكمة في الجلسة السابقة.
كما لم يسمح لفرحان نيربية وعدنان أبو جنب وعدنان مقداد وياسين الحاج صالح ومحمد خير خلف أن يتكلموا. بمجرد أن يحس رئيس المحكمة القاضي فايزالنوري أن المعتقل متمسك بقناعاته ومواقفه.. يعيده إلى القفص. يستفزه وأحياناً يتصرف بطريقة وقحة مثل أي رجل في البوليس السري.
عندما جاء دوري ووقفت أمام القوس.. أي أمام القضاة.. تلى علي نفس الأتهامات التي تليت على رفاقي. قلت له:
ــ أنا أدينك.. وأدين المحكمة.. والمحاكمة.. وكل القرارات التي تصدر عنها ومنها.. ولا أعترف على أي نص أو قراريصدر من هذا المكان. قال لي:
ــ أذهب إلى مكانك.
أنتفض المحامي حسن عبد العظيم وركض ناحيتي.. قال:
ــ هذا لا يجوزعلى الأطلاق يا أخي. أنكم تستفزون هيئة المحكمة والقضاة.. قلت له: لا علاقة لك بنا.. هذا ليس شغلك.. أنا لم أكلفك بالدفاع عني.. ولا أريد لأي محام أن يدافع عني.
كان هناك العديد من الرفاق لم يكلفوا محام.. كالرفيق عدنان أبو جنب وعدنان مقداد ومحمد خير خلف على سبيل المثال والبعض الأخر.. قبل توكيل محام.
لقد كلفت المحكمة على نفقتها الخاصة بعض المحامين للدفاع عنا. قسم كبيرمنهم كانوا بعثيون.. تربوا في أحضان أبوهم الروحي حافظ الأسد وربما كانوا من المظليين. لأن قسم كبير منهم كان يتكلم مع المعتقلين بأستفزازوقذارة مثل أبوهم الروحي.
لقد جاء أيضاً محام وعضو مزمن في مجلس الشعب أسمه نجم الدين الصالح.. شاعرحافظ الأسد. قال له البعض:
ــ أليس مخجلاً أن تكون عضو مجلس شعب شكلي ولمدة طويلة وجئت لتدافع عن معتقل سياسي ومعتقل رأي.
كان كالأثول.. لم يرد فقد أكتفى بالقول:
ــ حافظ الأسد سبقكم وسبق زمانه بمئة عام. تحتاجون إلى وقت طويل حتى تفهمونه. قلت له:
ــ أشرح لنا.. ربما نحن نجهل زمننا.. ربما تعرف شيئاً لا نعرفه. قال:
ــ أنتم في السجن لا تعرفون التطورات الهائلة التي طرأت على سورية في ظل قيادته التاريخية. ثم أنسل وأنسحب ولم نراه بعدها.
كما كان في الطرف الأخرالرفيق فائق الميرا.. كانت الشرطة العسكرية قد جلبته إلى المحكمة من سجن صيدنايا. أستطعنا ان نتكلم معه بضعة كلمات لاغير. كان موجوعاً في ظهره.. هذا ما أتذكره لأنهم كانوا يسندوه عندما كان يمشي.
لم يسمح القاضي للجميع أن يتكلم.. ربما جاءته أوامر من أسياده في المخابرات.. أن لا يسمح لنا بالتكلم. بعد أنتهاء المحاكمة الشكلية المفصلة على مقاس هكذا نظام.
عدنا إلى السجن مرة أخرى.. متعبين ومنهكين من وضعنا الصعب.. من وضع بلدنا وشعبنا تحت قبضة سلطة قذرة.
إنه شيء مؤلم أن نخرج من المحكمة إلى الشارع ولا نرى خمسة رجال أونساء في الشارع يقفون إلى جانبنا.
كنت أحس أنا ورفاقي السجناء إننا في معركة خاسرة.
مجتمعنا وشعبنا بعيدون عنا.
لقد تحول الانسان في بلدنا إلى هامشي.. لا يحب.. ولا يريد أن يشارك في الشان العام. كأن قضية المعتقلين لا تمسه على الأطلاق. أنا لن أعاتب الناس العاديين ولكن أين بقية الشرائح الأجتماعية في المجتمع.. كتاب.. مفكرون.. أدباء وشعراء.. طلاب الجامعة.. أساتذة الجامعة.
هل قضية الدفاع عن الحريات هي مسألة شخصية.. قضية سيادة القانون وتداول السلطة تمس المعتقلين وحدهم.
كان النظام يتصرف بنا على هواه.. مثلما يريد. يضع الأحكام دون أن يحسب حساب أحد. إنه حروصلاحية رغباته لا حدود لها.
كنت أعرف مثل بقية رفاقي وأصدقائي في السجن أن بقاءنا مرهون بمزاج حافظ الأسد وحساباته الأنية والمستقبلية. لهذا كان كل واحد منا يضع خطط شهرية أوسنوية.. برنامج عمل طويل.. لما سيعمله في هذه المدة الطويلة في السجن. البعض لديه موهبة في اللغات الأجنبية كالانكليزية والفرنسية أو الألمانية أو غيرها. يضع برنامج عمل لتعلم لغة ما ثم ينكب على دراستها لمدة ستة أشهر أو سنة او أكثرمع أشياء أخرى كالرياضة أو سماع الراديو او غيره.
لقد قررت أن ألعب الرياضة صباحاً.. بعدها أفطروبعد ذلك أقرأ مدة ثلاث إلى أربع ساعات يومياً ثم أشتغل على النحاس والخشب مدة ساعتين إلى حين أن يفتح باب الباحة. أضع كل شيء جانباً وأذهب للمشي مدة ساعتين. أدخل المهجع وأطبخ.
كان البعض الأخر يشتغل الخرز.. يبيع ما يشتغله عبر زيارات الأهل من أجل أن يشتري لنفسه بعض الحاجيات الأساسية من الدكان.
كنت أحس مثل غيري أن السجن بيتي ومستقبلي ولها صرت أحاول أن أنسى العالم الخارجي تماماً.
مع هذا كنت احلم..
الحلم فراشة ملونة تعبث في الروح.. تحلق وتطيرلترتفع من أجل أن تقترب من الضوء..
الحلم كائن جميل.. طائرلا يعرف ولا يعترف بالحدود والحواجز.
يراود كل البشرمهما حاولوا أغلاق هذا الباب.
أعتقد إن من يسد على نفسه باب الاحلام يصبح مع الزمن أسيرهذه القوقعة حتى بعد خروجه من الاسوار.
تبقى الأسوار داخل جدران ذاته.
الكثير كان يرفض الحلم حتى لا ينهك ويتعب.. لكن لهذا الفعل ثمن مضاد وقاتل
ــ إنتم لستم دولة الوحدة.. ألم تشاركوا بجيشكم مع الأمريكان في حفر الباطن. هل الأمريكان عرب! هل جاؤوا من أجل الوحدة العربية!. إذاً لماذا أرسلتم جيشكم لمحاربة دولة صغيرة من العالم الثالث؟ . مضى على وجودكم في لبنان ثمانية عشرة عاماً.. تحولتم خلال هذ الوقت الطويل إلى عرابي الحرب الأهلية والطائفية فيها. أين الوحدة التي تنادون بها.
الوحدة ليست جيش وقوات مسلحة وبوليس سري وقتل المواطنين وانتهاك الأعراض.
ألم ترسلوا جيشكم لمؤأزرة الكتائب في لبنان..
من قتل الفلسطينين في تل الزعتر.. من قام بها.. من قتل الفلسطينين في المخيمات.. وفتت منظمة التحرير الفلسطينية.. أليست قيادتكم.. هل كان هذا من أجل الوحدة العربية.
أين الحرية.. والمواطن في بلدنا يسجن ويعتقل لمجرد رأيه.. ألسنا في السجن بسبب آرائنا ومواقنا المختلفة عن آراء حكومتكم. لماذا نحن في السجن.. والأشتراكية التي تتحدثون عنها جعلت المواطن يتحول إلى شحاذ.
تكلموا عن مجزرة جسر الشغورومجزرة حلب وغيرها من المدن السورية. وقالوا:
ــ لقد مضى على وجودنا في السجن ثلاثة عشرة عاماً سجناً عرفياً.. أليس هذا مخالفاً للدستور الذي أشرف عليه رئيس الجمهورية في عام 1972. والدستوريقربعدم توقيف كائن من يكون إلا بنص قانوني محدد. اليوم بعد مضي هذه المدة الطويلة تتذكرون إننا جمعية سرية معادية للدولة ونريد أن نغيرها. ثم متى كان الشيوعيون معادون للأشتراكية وفي صلب برنامجنا السياسي الدعوة للحرية والديمقراطية وتداول السلطة والوحدة العربية وبناء الأشتراكية.
لقد تكلم جميع رفاقنا في محكمة أمن الدولة بنفس الروح والثقة العالية. ولم يرد النوري بأي كلمة.. فقط كان يوجه الأتهام ويسكت.
سمح القاضي لكل واحد أن يتكلم براحته.. لم يقاطع أحدهم بكلمة إلى حين أن ينتهي من مداولة أقواله.
في النصف الأول من شباط. أعتقد في 13 شباط. أخذوا الفئة الثانية من المعتقلين من الحزب الشيوعي /المكتب السياسي/. بأستثناء المرحوم رضا حداد الذي كان في المستشفى من أجل إجراء العملية الجراحية لركبته.
كبلونا بالسلاسل كالعادة واحكموا قيدنا وساروا بنا إلى المحكمة. وضعونا في القفص.. بعد أن فكوا وثاقنا وتركونا ننتظر مجيء القاضي فايز النوري. كان هناك عدد من المحامين منهم حسن أسماعيل عبد العظيم ومنير العبد الله وخليل معتوق.
عندما اكتملت منصة القضاة.. من القاضي فايز النوري والقاضي الثاني عبد الله التللي والقاض العسكري. دعا النوري بأسم عمرالحايك.
قال له مثلما قال لكل المعتقلين السياسيين:
ــ أنت متهم بالأنتماء إلى جمعية سرية بقصد تغيير كيان الدولة السياسي والأقتصادي.
ــ أنت متهم بمناهضة أهداف الثورة في الوحدة والحرية والأشتراكية.
مجرد أن بدأ عمر يتكلم.. من أول كلمة أسكته ولم يسمح له بالتكلم وقال له عد إلى مكانك. لم يكن القاضي فايزالنوري يريد ان يكررما حدث مع رفاقنا في المحاكمة في الجلسة السابقة.
كما لم يسمح لفرحان نيربية وعدنان أبو جنب وعدنان مقداد وياسين الحاج صالح ومحمد خير خلف أن يتكلموا. بمجرد أن يحس رئيس المحكمة القاضي فايزالنوري أن المعتقل متمسك بقناعاته ومواقفه.. يعيده إلى القفص. يستفزه وأحياناً يتصرف بطريقة وقحة مثل أي رجل في البوليس السري.
عندما جاء دوري ووقفت أمام القوس.. أي أمام القضاة.. تلى علي نفس الأتهامات التي تليت على رفاقي. قلت له:
ــ أنا أدينك.. وأدين المحكمة.. والمحاكمة.. وكل القرارات التي تصدر عنها ومنها.. ولا أعترف على أي نص أو قراريصدر من هذا المكان. قال لي:
ــ أذهب إلى مكانك.
أنتفض المحامي حسن عبد العظيم وركض ناحيتي.. قال:
ــ هذا لا يجوزعلى الأطلاق يا أخي. أنكم تستفزون هيئة المحكمة والقضاة.. قلت له: لا علاقة لك بنا.. هذا ليس شغلك.. أنا لم أكلفك بالدفاع عني.. ولا أريد لأي محام أن يدافع عني.
كان هناك العديد من الرفاق لم يكلفوا محام.. كالرفيق عدنان أبو جنب وعدنان مقداد ومحمد خير خلف على سبيل المثال والبعض الأخر.. قبل توكيل محام.
لقد كلفت المحكمة على نفقتها الخاصة بعض المحامين للدفاع عنا. قسم كبيرمنهم كانوا بعثيون.. تربوا في أحضان أبوهم الروحي حافظ الأسد وربما كانوا من المظليين. لأن قسم كبير منهم كان يتكلم مع المعتقلين بأستفزازوقذارة مثل أبوهم الروحي.
لقد جاء أيضاً محام وعضو مزمن في مجلس الشعب أسمه نجم الدين الصالح.. شاعرحافظ الأسد. قال له البعض:
ــ أليس مخجلاً أن تكون عضو مجلس شعب شكلي ولمدة طويلة وجئت لتدافع عن معتقل سياسي ومعتقل رأي.
كان كالأثول.. لم يرد فقد أكتفى بالقول:
ــ حافظ الأسد سبقكم وسبق زمانه بمئة عام. تحتاجون إلى وقت طويل حتى تفهمونه. قلت له:
ــ أشرح لنا.. ربما نحن نجهل زمننا.. ربما تعرف شيئاً لا نعرفه. قال:
ــ أنتم في السجن لا تعرفون التطورات الهائلة التي طرأت على سورية في ظل قيادته التاريخية. ثم أنسل وأنسحب ولم نراه بعدها.
كما كان في الطرف الأخرالرفيق فائق الميرا.. كانت الشرطة العسكرية قد جلبته إلى المحكمة من سجن صيدنايا. أستطعنا ان نتكلم معه بضعة كلمات لاغير. كان موجوعاً في ظهره.. هذا ما أتذكره لأنهم كانوا يسندوه عندما كان يمشي.
لم يسمح القاضي للجميع أن يتكلم.. ربما جاءته أوامر من أسياده في المخابرات.. أن لا يسمح لنا بالتكلم. بعد أنتهاء المحاكمة الشكلية المفصلة على مقاس هكذا نظام.
عدنا إلى السجن مرة أخرى.. متعبين ومنهكين من وضعنا الصعب.. من وضع بلدنا وشعبنا تحت قبضة سلطة قذرة.
إنه شيء مؤلم أن نخرج من المحكمة إلى الشارع ولا نرى خمسة رجال أونساء في الشارع يقفون إلى جانبنا.
كنت أحس أنا ورفاقي السجناء إننا في معركة خاسرة.
مجتمعنا وشعبنا بعيدون عنا.
لقد تحول الانسان في بلدنا إلى هامشي.. لا يحب.. ولا يريد أن يشارك في الشان العام. كأن قضية المعتقلين لا تمسه على الأطلاق. أنا لن أعاتب الناس العاديين ولكن أين بقية الشرائح الأجتماعية في المجتمع.. كتاب.. مفكرون.. أدباء وشعراء.. طلاب الجامعة.. أساتذة الجامعة.
هل قضية الدفاع عن الحريات هي مسألة شخصية.. قضية سيادة القانون وتداول السلطة تمس المعتقلين وحدهم.
كان النظام يتصرف بنا على هواه.. مثلما يريد. يضع الأحكام دون أن يحسب حساب أحد. إنه حروصلاحية رغباته لا حدود لها.
كنت أعرف مثل بقية رفاقي وأصدقائي في السجن أن بقاءنا مرهون بمزاج حافظ الأسد وحساباته الأنية والمستقبلية. لهذا كان كل واحد منا يضع خطط شهرية أوسنوية.. برنامج عمل طويل.. لما سيعمله في هذه المدة الطويلة في السجن. البعض لديه موهبة في اللغات الأجنبية كالانكليزية والفرنسية أو الألمانية أو غيرها. يضع برنامج عمل لتعلم لغة ما ثم ينكب على دراستها لمدة ستة أشهر أو سنة او أكثرمع أشياء أخرى كالرياضة أو سماع الراديو او غيره.
لقد قررت أن ألعب الرياضة صباحاً.. بعدها أفطروبعد ذلك أقرأ مدة ثلاث إلى أربع ساعات يومياً ثم أشتغل على النحاس والخشب مدة ساعتين إلى حين أن يفتح باب الباحة. أضع كل شيء جانباً وأذهب للمشي مدة ساعتين. أدخل المهجع وأطبخ.
كان البعض الأخر يشتغل الخرز.. يبيع ما يشتغله عبر زيارات الأهل من أجل أن يشتري لنفسه بعض الحاجيات الأساسية من الدكان.
كنت أحس مثل غيري أن السجن بيتي ومستقبلي ولها صرت أحاول أن أنسى العالم الخارجي تماماً.
مع هذا كنت احلم..الحلم فراشة ملونة تعبث في الروح.. تحلق وتطيرلترتفع من أجل أن تقترب من الضوء..
الحلم كائن جميل.. طائرلا يعرف ولا يعترف بالحدود والحواجز.
يراود كل البشرمهما حاولوا أغلاق هذا الباب.
أعتقد إن من يسد على نفسه باب الاحلام يصبح مع الزمن أسيرهذه القوقعة حتى بعد خروجه من الاسوار.
تبقى الأسوار داخل جدران ذاته.
الكثير كان يرفض الحلم حتى لا ينهك ويتعب.. لكن لهذا الفعل ثمن مضاد وقاتل
لقد مكث سلامة كيلة ونعمان عبدو وجريس التللي وأحمد حسو ومحمود عيسى في الزنازين
الأفرادية مدة سنة وثلاثة أشهر. / لقد مكث محمود عيسى في السجن ثمانية أعوام على خلفية أنتمائه لحزب العمل الشيوعي.. والأن.. هو في سجن عدرا المركزي مع ميشل كيلو لتوقيعهم اعلان دمشق بيروت.. منذ فترة حكم عليهم النظام القرقوشي ثلاثة أعوام /
في أيارمن العام 1993 جلبوهم إلى الجناح وبعدها قدموهم إلى المحكمة مثل بقية السجناء.
راحت الأيام تمضي ببطء شديد.. وكل عشرين يوماً أو شهر يأخذوننا إلى المحكمة يضعوننا في القفص مدة ساعتين أو أكثرإلى حين مجيء رئيس المحكمة فايزالنوري. ثم نعود إلى السجن دون أن نتكلم مع أحد أويسألنا أحدهم سؤالاً.
كانوا يبلغوننا ليلاً عن موعد الجلسة.. في الصباح بعد الساعة الثامنة يضعون السلاسل في أيدينا ثم يأخذوننا إلى المحكمة ونعود مثلما ذهبنا لا نعرف لماذا يأخذوننا ولماذا يضعوننا في القفص وما الغاية من ذلك.
المحكمة مهزلة.. على شاكلة النظام ورأس هذا النظام.
الكثير من الرفاق في الحزب الشيوعي/ المكتب السياسي/ وحزب العمل الشيوعي كتبوا المرافعات وعينوا المحامين للدفاع عنهم.. والكثير أيضاً رفض ذلك.
أنا لم أعين محام ولم أكتب مرافعة.
لقد عينت المحكمة لي المحامي محمد فاروق الشهابي للدفاع عني وعن الأخ عدنان أبو جنب. قلنا له كلانا إننا لا نقبل التراجع عن مواقفنا.. ولا نريد منك أن تكتب أي شيء له علاقة بالتنازل أو العفو. نحن لم نعين محام. المحكمة أرسلتك للدفاع عنا لهذا نطلب منك ان تلتزم بشرف مهنتك التي أخترتها وأن لا تطلب أسترحام أوما شابه ذلك من الكلمات. لقد قلنا موقفنا أمام القوس وأمام القاض الأول والثاني والقوس وثبتنا موقفنا وهو الاستمرار في الحزب والعمل السياسي حتى التغيير الديمقراطي في بلادنا وتداول السلطة. قال لنا سأفعل ما تقولون. قلنا له شكراً وغير ذلك يبقى كلامك لا قيمة عملية له.. كلام ينثر في الهواء.
لقد كتب حسن إسماعيل عبد العظيم مرافعة لا تليق بموقف المعتقلين وصلابة موقفهم من الحزب الشيوعي/ المكتب السياسي/.
لقد قدم عبد العظيم مرافة مطلبية بحتة بقوله:
ــ أنهم يريدون تحسين الوضع المعاشي للناس بتخفيض الاسعار ورفع الرواتب وتحسين الوضع الأقتصادي.
لقد حط هذا الرجل من قدرالمعتقلين عندما حول قضيتنا من قضية سياسية إلى قضية مطلبية بحتة. كنت أتساءل وانا أقرأ ما كتبه.. هل يميزعبد العظيم ما بين السياسي والمطلبي.. أليس مخجلاً ما كتبه. ألم يرى بعينه ويسمع بأذنه ما قاله المعتقلون أمام القوس.
على من كان يضحك حسن إسماعيل عبد العظيم.. على نفسه أم على أجهزة المخابرات أم على فايز النوري.
لقد قدم حسن إسماعيل عبد العظيم مرافعة مخجلة بكل المقاييس.
ومن سخريات القدر إنه وضع أسماء الذين رفضوا توكيل محام للدفاع عنهم.
لمذا أراد عبد العظيم أن يضرب في الصميم مواقفنا.. وسنين عمرنا في السجن.
إنني كمعتقل سابق أحس أن هذا الرجل كان يتعمد الأساءة لنا ولحزبنا ولمواقفنا.
ثم لماذا اظلمه ربما لا يميزما بين أحزاب الجبهة واحزاب المعارضة طالما وضعهم في صف واحد في مرافعته المخجلة.
خير من كتب في هذه القضية هو المحام محمد سلام من حزب العمال الثوري في مرافعته عن المهندس عبدالله الماضي المسجون في سجن صيدنايا لدقة المرافعة وتحليل القوانين التي على اساسها جرى تقديمنا إلى المحكمة.
لقد كتبتُ سابقاً أن المرافعة لا قيمة عملية لها. لكن.. أن يتبرع عبد العظيم ويضع أسمي في القائمة هو السبب الذي يدفعني للتساءل والكتابة عن ذلك.
لقد اعتقل النظام الكثير من الأكراد.. من أحزاب متعددة.
في البدء.. في نهاية عام /1992/ دخل الجناح أربعة معتقلين من مدينة عين عرب.. ينتمون إلى جناح صلاح بدرالدين.. وعشرة معتقلين من محافظة الحسكة. كانوا ينتمون إلى ثلاث أحزاب سياسية كردية.. توحدت في حزب سمي وقتها /حزب يكتي/ أي الوحدة.
اعتقلوا على أثر بيان يطالب إعادة الجنسية للأكراد السوريين الذين جردوا منها عام 1962.
جميعهم كانوا في المهجع الثاني عشر.
جرى تقديمهم للمحاكمة وحكم عليهم باحكام متفاوتة..
ــ سليمان أوسو سنة ونصف السنة.
أحد عشرمعتقلاً.. لكل واحد منهم سنتان سجن ومنهم على سبيل المثال/ عبد الباقي يوسف ووليد الحاج حسين ومحمد بشير أبا زيد ومحمد أحمد/
ــ أثنان حكم عليهم أربعة أعوام وهم من مدينة عين عرب/ إبراهيم بوزان.. وصديق أخر لم أعد أذكر أسمه/
كان غريباً علينا وجود معتقلينمن أحزاب كردية في الجناح. فطوال فترة الأعتقال.. كان المعتقلون من أحزاب سياسية معارضة للنظام.
إما المعتقلون الأكراد فكان طرحاً مطلبياً بحتاً.. قضيتهم لم ترق إلى مستوى الطرح السياسي.. وإلى مستوى التغيير السياسي. لذلك لم تكن أحكامهم قاسية على الأطلاق. فمسالة تجريد المواطنين الأكراد السوريين من الجنسية كان خطأ كبير. وكان على الحكومات السورية المتعاقبة أن تعالج هذه المسألة المهمة والحيوية لقطاع كبيرمن المواطنين السوريين.
كنت أرتبطت معهم بصداقة ومؤدة طوال فترة الاعتقال.
كانت الأيام تمرببطء شديد.
كنا في المهجع الثاني خمسة معتقلين من الحزب الشيوعي/ المكتب السياسي/ واثنان من حزب العمل الشيوعي وستة من حزب البعث العربي الأشتراكي/ العراق/ بالإضافة إلى سلامة كيلة وأحمد حسو ومصطفى عدوي وهو دكتورفي علم النفس لا علاقة له بالسياسة لا بعيد ولا من قريب.. دخل السجن على أثر تقريرأحد المخبرين في الجامعة في أكرانيا.
في 21/4/ 1994 أصدر القاضي فايزالنوري الحكم علينا أستناداً إلى ما جاء في حيثيات الحكم.
هذا ما جاء في نص المحاكمة:
((ــ في مناقشة الأدلة والنيابة والدفاع والقانون:
حيث ثبت من مجمل التحقيقات وكافة اوراق الدعوى وبإقرارالمتهمين الصريح في كافة مراحل التحقيقات والمحاكمات إنهم انتسبوا إلى الحزب الشيوعي /المكتب السياسي/ ومارسوا نشاطاً لصالح هذا التنظيم الذي يعمل على تغييرنظام الحكم في القطربالعنف، وحيث أن المتهمين اطلعوا على أدبيات الحزب وقاموا بتوزيعها بين الناس هذه الأدبيات التي تضمنت التهجم على سياسية القطر الدولية والداخلية وخاصة في المجالات الأقتصادية والأمنية والعسكرية وكان القصد زعزعة ثقة الجماهير بأهداف الثورة مما يجعل فعلهم منطبق على أحكام المادة 3 من المرسوم 6 لعام 1965 مع مراعاة قانون العفو العام رقم 11 لعام 1985 بحقهم وحيث من الثابت أن هذا التنظيم غايته تغييرنظام الحكم في سورية وتغييرالبنية الاقتصادية والاجتماعية بالعنف ويؤيد مشاركة هذا التنظيم في حوادث الشغب ووقوفه بجانب الإخوان المسلمين من خلال توزيع المنشورات وطرح الإشاعات المضللة آنذاك ورفض التنظيم الانضمام إلى الجبهة الوطنية التقدمية مما جعل فعل المتهمين بأنتسابهم إلى التنظيم المذكورينطبق على أحكام المادة 306 عقوبات عام. وحيث أن المناقشة فيها الرد الكافي على الدفاع والنيابة وحيث أن موضوع التقادم غير وارد في هذه القضية لكون المتهمين لا يزالون مستمرين في التنظيم ومؤيدين لأهدافه وذلك بجلسة الدفاع الاخيرة وحيث الادلة كافية للتجريم.
لذلك وعملاً بأحكام المواد 308 و309 أصول جزائية والمادة 306 عقوبات عام والمرسوم 6 لعام 1965 والمادة 204ع ووفقاً لمطالبة النيابة من جهة وخلافاً لها من جهى اخرى تقرربالاتفاق الحكم على:
1ــ عمرالحايك 15سنة سجن.
2ــ فرحان نيربية 15سنة سجن.
3 ــ عدنان أبوجنب 15 سنة سجن
4 ــ عدنان المقداد 15 سنة سجن
5 ــ ياسين الحاج صالح 15 سنة سجن.
6 ــ يوشع الخطيب 15 سنة سجن
7 ــ محمد خير خلف حاج موسى 12 سنة سجن.
8 ــ آرام كربيت 13 سنة سجن.
9ــ نقولا الزهر 14 سنة سجن.
10ــ رضا حداد 15 سنة سجن.
بجناية الانتساب إلى جمعية أنشات بقصد تغيير كيان الدولة وفق أحكام المادة 306 عقوبات عام والحكم على على كل منهم بالاشغال الشاقة المؤقتة.
2ــ تجريم كل المتهمين المذكورين بجناية مناهضة أهداف الثورة في الوحدة والحرية والاشتراكية وفق المادة 3 من المرسوم التشريعي رقم 6 لعام 1965 والحكم على كل منهم مدة تسعة سنين أشغال شاقة مؤقتة.
3ــ دغم العقوبتين بالنسبة لجميع المتهمين وتنفيذ الاشد وهي الاولى عملاً بالمادة 204 عقوبات عام.
4 ــ حساب مدة التوقيف لكل منهم من أصل المدة المحكوم بها.))
يتبع ــ
آرام كربيت
في أيارمن العام 1993 جلبوهم إلى الجناح وبعدها قدموهم إلى المحكمة مثل بقية السجناء.
راحت الأيام تمضي ببطء شديد.. وكل عشرين يوماً أو شهر يأخذوننا إلى المحكمة يضعوننا في القفص مدة ساعتين أو أكثرإلى حين مجيء رئيس المحكمة فايزالنوري. ثم نعود إلى السجن دون أن نتكلم مع أحد أويسألنا أحدهم سؤالاً.
كانوا يبلغوننا ليلاً عن موعد الجلسة.. في الصباح بعد الساعة الثامنة يضعون السلاسل في أيدينا ثم يأخذوننا إلى المحكمة ونعود مثلما ذهبنا لا نعرف لماذا يأخذوننا ولماذا يضعوننا في القفص وما الغاية من ذلك.
المحكمة مهزلة.. على شاكلة النظام ورأس هذا النظام.
الكثير من الرفاق في الحزب الشيوعي/ المكتب السياسي/ وحزب العمل الشيوعي كتبوا المرافعات وعينوا المحامين للدفاع عنهم.. والكثير أيضاً رفض ذلك.
أنا لم أعين محام ولم أكتب مرافعة.
لقد عينت المحكمة لي المحامي محمد فاروق الشهابي للدفاع عني وعن الأخ عدنان أبو جنب. قلنا له كلانا إننا لا نقبل التراجع عن مواقفنا.. ولا نريد منك أن تكتب أي شيء له علاقة بالتنازل أو العفو. نحن لم نعين محام. المحكمة أرسلتك للدفاع عنا لهذا نطلب منك ان تلتزم بشرف مهنتك التي أخترتها وأن لا تطلب أسترحام أوما شابه ذلك من الكلمات. لقد قلنا موقفنا أمام القوس وأمام القاض الأول والثاني والقوس وثبتنا موقفنا وهو الاستمرار في الحزب والعمل السياسي حتى التغيير الديمقراطي في بلادنا وتداول السلطة. قال لنا سأفعل ما تقولون. قلنا له شكراً وغير ذلك يبقى كلامك لا قيمة عملية له.. كلام ينثر في الهواء.
لقد كتب حسن إسماعيل عبد العظيم مرافعة لا تليق بموقف المعتقلين وصلابة موقفهم من الحزب الشيوعي/ المكتب السياسي/.
لقد قدم عبد العظيم مرافة مطلبية بحتة بقوله:
ــ أنهم يريدون تحسين الوضع المعاشي للناس بتخفيض الاسعار ورفع الرواتب وتحسين الوضع الأقتصادي.
لقد حط هذا الرجل من قدرالمعتقلين عندما حول قضيتنا من قضية سياسية إلى قضية مطلبية بحتة. كنت أتساءل وانا أقرأ ما كتبه.. هل يميزعبد العظيم ما بين السياسي والمطلبي.. أليس مخجلاً ما كتبه. ألم يرى بعينه ويسمع بأذنه ما قاله المعتقلون أمام القوس.
على من كان يضحك حسن إسماعيل عبد العظيم.. على نفسه أم على أجهزة المخابرات أم على فايز النوري.
لقد قدم حسن إسماعيل عبد العظيم مرافعة مخجلة بكل المقاييس.
ومن سخريات القدر إنه وضع أسماء الذين رفضوا توكيل محام للدفاع عنهم.
لمذا أراد عبد العظيم أن يضرب في الصميم مواقفنا.. وسنين عمرنا في السجن.
إنني كمعتقل سابق أحس أن هذا الرجل كان يتعمد الأساءة لنا ولحزبنا ولمواقفنا.
ثم لماذا اظلمه ربما لا يميزما بين أحزاب الجبهة واحزاب المعارضة طالما وضعهم في صف واحد في مرافعته المخجلة.
خير من كتب في هذه القضية هو المحام محمد سلام من حزب العمال الثوري في مرافعته عن المهندس عبدالله الماضي المسجون في سجن صيدنايا لدقة المرافعة وتحليل القوانين التي على اساسها جرى تقديمنا إلى المحكمة.
لقد كتبتُ سابقاً أن المرافعة لا قيمة عملية لها. لكن.. أن يتبرع عبد العظيم ويضع أسمي في القائمة هو السبب الذي يدفعني للتساءل والكتابة عن ذلك.
لقد اعتقل النظام الكثير من الأكراد.. من أحزاب متعددة.
في البدء.. في نهاية عام /1992/ دخل الجناح أربعة معتقلين من مدينة عين عرب.. ينتمون إلى جناح صلاح بدرالدين.. وعشرة معتقلين من محافظة الحسكة. كانوا ينتمون إلى ثلاث أحزاب سياسية كردية.. توحدت في حزب سمي وقتها /حزب يكتي/ أي الوحدة.
اعتقلوا على أثر بيان يطالب إعادة الجنسية للأكراد السوريين الذين جردوا منها عام 1962.
جميعهم كانوا في المهجع الثاني عشر.
جرى تقديمهم للمحاكمة وحكم عليهم باحكام متفاوتة..
ــ سليمان أوسو سنة ونصف السنة.
أحد عشرمعتقلاً.. لكل واحد منهم سنتان سجن ومنهم على سبيل المثال/ عبد الباقي يوسف ووليد الحاج حسين ومحمد بشير أبا زيد ومحمد أحمد/
ــ أثنان حكم عليهم أربعة أعوام وهم من مدينة عين عرب/ إبراهيم بوزان.. وصديق أخر لم أعد أذكر أسمه/
كان غريباً علينا وجود معتقلينمن أحزاب كردية في الجناح. فطوال فترة الأعتقال.. كان المعتقلون من أحزاب سياسية معارضة للنظام.
إما المعتقلون الأكراد فكان طرحاً مطلبياً بحتاً.. قضيتهم لم ترق إلى مستوى الطرح السياسي.. وإلى مستوى التغيير السياسي. لذلك لم تكن أحكامهم قاسية على الأطلاق. فمسالة تجريد المواطنين الأكراد السوريين من الجنسية كان خطأ كبير. وكان على الحكومات السورية المتعاقبة أن تعالج هذه المسألة المهمة والحيوية لقطاع كبيرمن المواطنين السوريين.
كنت أرتبطت معهم بصداقة ومؤدة طوال فترة الاعتقال.
كانت الأيام تمرببطء شديد.
كنا في المهجع الثاني خمسة معتقلين من الحزب الشيوعي/ المكتب السياسي/ واثنان من حزب العمل الشيوعي وستة من حزب البعث العربي الأشتراكي/ العراق/ بالإضافة إلى سلامة كيلة وأحمد حسو ومصطفى عدوي وهو دكتورفي علم النفس لا علاقة له بالسياسة لا بعيد ولا من قريب.. دخل السجن على أثر تقريرأحد المخبرين في الجامعة في أكرانيا.
في 21/4/ 1994 أصدر القاضي فايزالنوري الحكم علينا أستناداً إلى ما جاء في حيثيات الحكم.
هذا ما جاء في نص المحاكمة:
((ــ في مناقشة الأدلة والنيابة والدفاع والقانون:
حيث ثبت من مجمل التحقيقات وكافة اوراق الدعوى وبإقرارالمتهمين الصريح في كافة مراحل التحقيقات والمحاكمات إنهم انتسبوا إلى الحزب الشيوعي /المكتب السياسي/ ومارسوا نشاطاً لصالح هذا التنظيم الذي يعمل على تغييرنظام الحكم في القطربالعنف، وحيث أن المتهمين اطلعوا على أدبيات الحزب وقاموا بتوزيعها بين الناس هذه الأدبيات التي تضمنت التهجم على سياسية القطر الدولية والداخلية وخاصة في المجالات الأقتصادية والأمنية والعسكرية وكان القصد زعزعة ثقة الجماهير بأهداف الثورة مما يجعل فعلهم منطبق على أحكام المادة 3 من المرسوم 6 لعام 1965 مع مراعاة قانون العفو العام رقم 11 لعام 1985 بحقهم وحيث من الثابت أن هذا التنظيم غايته تغييرنظام الحكم في سورية وتغييرالبنية الاقتصادية والاجتماعية بالعنف ويؤيد مشاركة هذا التنظيم في حوادث الشغب ووقوفه بجانب الإخوان المسلمين من خلال توزيع المنشورات وطرح الإشاعات المضللة آنذاك ورفض التنظيم الانضمام إلى الجبهة الوطنية التقدمية مما جعل فعل المتهمين بأنتسابهم إلى التنظيم المذكورينطبق على أحكام المادة 306 عقوبات عام. وحيث أن المناقشة فيها الرد الكافي على الدفاع والنيابة وحيث أن موضوع التقادم غير وارد في هذه القضية لكون المتهمين لا يزالون مستمرين في التنظيم ومؤيدين لأهدافه وذلك بجلسة الدفاع الاخيرة وحيث الادلة كافية للتجريم.
لذلك وعملاً بأحكام المواد 308 و309 أصول جزائية والمادة 306 عقوبات عام والمرسوم 6 لعام 1965 والمادة 204ع ووفقاً لمطالبة النيابة من جهة وخلافاً لها من جهى اخرى تقرربالاتفاق الحكم على:
1ــ عمرالحايك 15سنة سجن.
2ــ فرحان نيربية 15سنة سجن.
3 ــ عدنان أبوجنب 15 سنة سجن4 ــ عدنان المقداد 15 سنة سجن
5 ــ ياسين الحاج صالح 15 سنة سجن.
6 ــ يوشع الخطيب 15 سنة سجن
7 ــ محمد خير خلف حاج موسى 12 سنة سجن.
8 ــ آرام كربيت 13 سنة سجن.
9ــ نقولا الزهر 14 سنة سجن.
10ــ رضا حداد 15 سنة سجن.
بجناية الانتساب إلى جمعية أنشات بقصد تغيير كيان الدولة وفق أحكام المادة 306 عقوبات عام والحكم على على كل منهم بالاشغال الشاقة المؤقتة.
2ــ تجريم كل المتهمين المذكورين بجناية مناهضة أهداف الثورة في الوحدة والحرية والاشتراكية وفق المادة 3 من المرسوم التشريعي رقم 6 لعام 1965 والحكم على كل منهم مدة تسعة سنين أشغال شاقة مؤقتة.
3ــ دغم العقوبتين بالنسبة لجميع المتهمين وتنفيذ الاشد وهي الاولى عملاً بالمادة 204 عقوبات عام.
4 ــ حساب مدة التوقيف لكل منهم من أصل المدة المحكوم بها.))
يتبع ــ
آرام كربيت
-----------------------------------------------
قضايا وأحداث 27.07.2007
انتقادات ألمانية حادة
بعد إبرام الاتفاق النووي بين ليبيا وفرنساالتعاون الليبي الفرنسي يثير عاصفة من الانتقادات الألمانية
اثار الاتفاق النووي بين ليبيا وفرنسا سلسلة انتقادات في ألمانيا حيث وصفه نائب وزير الخارجية الألماني غيرونت إيرلر بأنه إشكالي من الناحية السياسية. رئيس حزب الخضر اتهم ساركوزي بارتكاب أفعال طائشة ذات طابع قومي.
أثار الاتفاق الذي توصل إليه الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي مع ليبيا بخصوص التعاون النووي والعسكري بينهما انتقادات إعلامية وسياسية واسعة. وجاءت الانتقادات الألمانية للقيادة الفرنسية من أعلى المستويات حيث قال نائب وزير الخارجية الألماني غيرونت إيرلر أن "خطر الانتشار غير المراقب للتقنية النووية سيزداد" في حال زودت فرنسا ليبيا بمفاعل نووي، واصفا الاتفاق الليبي-الفرنسي بأنه "إشكالي من الناحية السياسية".
وأشار إيرلر أن ألمانيا وليبيا أجرتا محادثات بشأن تقديم ألمانيا لتقنيات الطاقة البديلة إلى ليبيا موضحا أن استخدام الطاقة البديلة في ليبيا أفضل من استخدام الطاقة النووية. وقال إيرلر أن الحكومة الألمانية ستراقب النشاطات التصديرية الفرنسية في المجال النووي عن كثب.
وكان الرئيس الفرنسي وافق خلال زيارته على تزويد ليبيا مفاعل نووي يستخدم لتحلية مياه البحر واتفق الطرفان على البدء بإجراء الدراسات والتحضيرات الخاصة بهذا الشأن. وعارض إيرلر موقف المفوضية الأوروبية التي اعتبرت الاتفاق الليبي-الفرنسي بأنه شأن فرنسي لا علاقة لها به، وقال إيرلر إن مصانعا ألمانية تابعة لشركة سيمنز ستتأثر بهذا الاتفاق. ويمكن تفسير إشارة إيرلر هذه على أنها تهديد مبطن بعرقلة تنفيذ الاتفاق الليبي-الفرنسي، حيث أن الشركة التي أحيل لها تزويد ليبيا بالمفاعل المذكور هي شركة تابعة لشركة أرفيرا Arvera المملوكة من الدولة الفرنسية إلا أن شركة سيمنز الألمانية تمتلك 34 بالمئة من أسهمها. وفي حال تم تنفيذ الاتفاق فستضطر الشركة الفرنسية أن تصنع جزءا من المفاعل في مصانع شركة سينمز.
انتقادات ح
ادة لشخص ساركوزي
نائب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني يصف ساركوزي بالمستبد
أثار الاتفاق الذي توصل إليه الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي مع ليبيا بخصوص التعاون النووي والعسكري بينهما انتقادات إعلامية وسياسية واسعة. وجاءت الانتقادات الألمانية للقيادة الفرنسية من أعلى المستويات حيث قال نائب وزير الخارجية الألماني غيرونت إيرلر أن "خطر الانتشار غير المراقب للتقنية النووية سيزداد" في حال زودت فرنسا ليبيا بمفاعل نووي، واصفا الاتفاق الليبي-الفرنسي بأنه "إشكالي من الناحية السياسية".
وأشار إيرلر أن ألمانيا وليبيا أجرتا محادثات بشأن تقديم ألمانيا لتقنيات الطاقة البديلة إلى ليبيا موضحا أن استخدام الطاقة البديلة في ليبيا أفضل من استخدام الطاقة النووية. وقال إيرلر أن الحكومة الألمانية ستراقب النشاطات التصديرية الفرنسية في المجال النووي عن كثب.
وكان الرئيس الفرنسي وافق خلال زيارته على تزويد ليبيا مفاعل نووي يستخدم لتحلية مياه البحر واتفق الطرفان على البدء بإجراء الدراسات والتحضيرات الخاصة بهذا الشأن. وعارض إيرلر موقف المفوضية الأوروبية التي اعتبرت الاتفاق الليبي-الفرنسي بأنه شأن فرنسي لا علاقة لها به، وقال إيرلر إن مصانعا ألمانية تابعة لشركة سيمنز ستتأثر بهذا الاتفاق. ويمكن تفسير إشارة إيرلر هذه على أنها تهديد مبطن بعرقلة تنفيذ الاتفاق الليبي-الفرنسي، حيث أن الشركة التي أحيل لها تزويد ليبيا بالمفاعل المذكور هي شركة تابعة لشركة أرفيرا Arvera المملوكة من الدولة الفرنسية إلا أن شركة سيمنز الألمانية تمتلك 34 بالمئة من أسهمها. وفي حال تم تنفيذ الاتفاق فستضطر الشركة الفرنسية أن تصنع جزءا من المفاعل في مصانع شركة سينمز.
انتقادات ح
ادة لشخص ساركوزينائب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني يصف ساركوزي بالمستبد
تعرض الاتفاق الليبي-الفرنسي أيضا إلى انتقادات من قبل حزب الخضر الألماني المعارض. وقال
رئيس الحزب راينهارد بيتيكوفر "إن ما يقوم به ساركوزي أفعال طائشة ذات طابع قوموي". كذلك انتقد متحدث الاتحاد المسيحي لشؤون التسلح النووي إنفراد فرنسا وعدم تنسيق الموقف مع باقي الدول الأوروبية مشيرا إلى أهمية الانتباه إلى مدى استقرار النظام الليبي والدول المحيطة به مضيفا أن "فرنسا لم تأخذ ذلك بالحسبان". أما رئيس الكتلة البرلمانية للاتحاد المسيحي فقال "إن التعاون بين فرنسا وليبيا هي نتيجة طبيعية لتخلي ليبيا عن برنامجها للتسلح النووي" موضحا أن الزعيم الليبي "ليس لديه مصلحة لأن يتم فرض عقوبات دولية عليها".
وجاءت الانتقادات الأقوى لفرنسا من قبل أولريش كليبر نائب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي الديمقراطي المشارك في الائتلاف الحاكم، حيث قال عن ساركوزي: "إنه يسعى للشهرة ولتنفيذ مصالحه بشكل بدائي. وهذا الأسلوب معروف عن المستبدين وحتى الرئيس الأمريكي جورج بوش ليس سوى حمل وديع مقارنة به".
دويتشه فيله/وكالات (ب.ح)
وجاءت الانتقادات الأقوى لفرنسا من قبل أولريش كليبر نائب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي الديمقراطي المشارك في الائتلاف الحاكم، حيث قال عن ساركوزي: "إنه يسعى للشهرة ولتنفيذ مصالحه بشكل بدائي. وهذا الأسلوب معروف عن المستبدين وحتى الرئيس الأمريكي جورج بوش ليس سوى حمل وديع مقارنة به".
دويتشه فيله/وكالات (ب.ح)
-----------------------------------------------------
حوار ساخن بين معاون وزير الإعلام والصحفيين الشباب
جورج كدر - 24/07/2007 12:00:00
شهدت إحدى جلسات ملتقى الصحفيين الشباب الذي يعقد في دمشق حوار ساخنا بين معاون وزير الإعلام طالب قاضي أمين وصحفيين مشاركين بالملتقى الذي يعقد تحت شعار (تعزيز القدرات في تحقيق أهداف التنمية للألفية) بالتعاون بين الأمم المتحدة ووزارة الإعلام وهيئة تخطيط الدولة..بمشاركة 50 صحفي أغلبهم من الصحفيين العاملين في الإعلام الرسمي.. ومما نقله مشاركون في الملتقى لـ"كلنا شركاء" أن صحفية (موقفة عن العمل في التلفزيون السوري) سألت قاضي أمين خلال جلسة النقاش قائلة تطلبون منا إعداد تقارير عن التنمية... ونحن كل ما ننجزه من عمل نحاسب عليه ويثبط من عزيمتنا وهمتنا... وأكدت الصحفية أنها أنجزت ثلاث تقارير للتلفزيون السوري أحدهم عن الأحداث والأخر عن الأطفال الفقراء والمشردين عند جسر الثورة، وأحدهم عن تمكين المرأة والقروض الصغيرة، لكنها (تعاقبت بالتنبيه وخصم مبلغ مالي من البونات وأوقفت عن العمل...) وتساءلت الصحفية كيف تريد مني بعد هذه القصة أن أكتب قصص التنمية.. معاون وزير الإعلام، ورغم تأكيده عدم علمه بحيثيات القضية وطلبه من الصحفية مراجعة مكتبه للنظر في الموضوع، أعرب عن اعتقاده أنه لا أحد يحاسب صحفي إذا كتب عن قضايا التنمية... مضيفا منذ زمن بعيد لم أسمع أن أحدا سئل من جهة ما... ولدينا صحافة خاصة ويستطيعون كتابة ما يريدون دون رقابة أو سؤال من وزارة الإعلام..فالوزارة كأي قارئ آخر... لكن صحفية أخرى قاطعت معاون وزير الإعلام وقالت له: آسفة لمقاطعتي لكني من شهر طلبت إلى فرع السياسية بسبب مادة نشرتها في الملحق الثقافي للصحيفة الخارجية التي أعمل بها...وأضافت عذرا إذا اعتبرتها جرأة في طرح هذا الموضوع لكن هذا واقع الصحفيين...كل فترة تمنحونا هامش وتقولون اكتبوا ما تريدون، ثم بعد فترة قصيرة نفاجئ أن موادنا تخرج دفعة واحدة لنحاسب عليها... لكن معاون الوزير لم يجبها... ياغي في قسم الصحافة وسأل صحفي آخر عما يقدمه اتحاد الصحفيين، فأجاب قاسم ياغي رئيس تحرير صحيفة الثورة الأسبق الذي شارك في جلسة النقاش... أنا عضو مزمن بالاتحاد، وليس صحيحا أنه لا يقدم شيء، كل الصحفيين الذين يتخرجون من كلية الإعلام يسجلون كأعضاء مشاركين.. فقاطعه الصحفي: ماذا يقدم الاتحاد للأعضاء المشاركين، رغم أنه يأخذ منهم الاشتراك.. قال ياغي: يعامل معاملة الصحفي العامل بكل الميزات عدا التأمين... مثل تخفيض قيمة تذاكر النقل، والمطاعم والفنادق...وتجيز له العمل... بعدين شو بميز قسم الإعلام.. ما كل من درس إعلام صار صحفي...أنا زرت هذا القسم منذ ثلاث سنوات ووجدت أنهم لا يتمتعون بأبجديات الصحافة أي أنهم لا يعرفون كتابة خبر حتى أنه ليس هناك مادة تعلمهم كتابة الخبر
-----------------------------------------------------------
بعد خطاب القسم 1 كان هناك توقعات كبيرة وآمال معقودة على الرئيس الشاب ، قرأ المحللون المستقبل السوري وحاولوا استشراف الحكم الجديد. اليوم بعد خطاب القسم 2 لم يعد هناك توقعات و آمال ولا تكهنات تذكر. المقال اللاحق يستعيد هذة الفترة
النهار"
الخميس 8 آذار2001
جدال سوريا الداخلي
بين "التصحيحي" والاصلاحي والتغييري
فولكر برتس
الجدالات العلنية وشبه العلنية في سوريا اصبحت مثيرة للاهتمام مجددا منذ استلام بشار الاسد زمام السلطة. وموضوعات الجدال الرئيسية هي طبعا ذات طابع محلي وخصوصا الاقتصاد والنظام السياسي.
وليس الجدال محصورا في ما يسمى غالبا "الحرس القديم" و"الحرس الجديد". فهاتان المجموعتان موجودتان، الا ان العملية السياسية في سوريا هي اكثر تعقيدا من ان تكون محصورة بنزاع بين فئتين او مركزي سلطة. مع بعض التجريد، يمكن ان نميز ثلاث نزعات من المرجح ان تستمر، على ما يبدو، في تحديد نطاق الجدال المحلي لبعض الوقت. ويمكن ان نحدد هذه النزعات بناء على الموضوعات الرئيسية التي تركز عليها في خطاباتها، اي "التصحيح" و"الاصلاح" و"التغيير".
النزعة "التصحيحية" مثلا يمكن ان نسميها ممثلة بهؤلاء الذين يركّزون على "استمرارية التصحيح"، بالاشارة الى الحركة التصحيحية، وهي التسمية الرسمية لانقلاب حافظ الاسد عام .1970 ويقر "المصححون" بأنه تم ارتكاب بعض الاخطاء وبأنه من الضروري تصحيحها. لكنهم من جهة اخرى يصرون على ان الاستمرارية هي امر اساسي.
وهم يحذّرون بشار الاسد والاشخاص المحيطين به من مس منجزات النظام القديم، وخصوصا في ما يتعلق بالقطاع العام والبنى السياسية التي أسِّست خلال الاعوام الثلاثين من حكم والده.
وتتمركز قاعدة المصححين الاجتماعية في اوساط النقابات العمالية والقطاع العام والبيروقراطية الحكومية، كما في اوساط من اسميهم "البيروقراطية الفكرية" اي الكتّاب التابعون للدولة، والصحافيون او الاساتذة الذين يدينون بمراكزهم (وغالبا بشهاداتهم الجامعية كذلك) لاخلاصهم للنظام، ويتخوفون من اي تغيير قد يعرّضهم للمنافسة الاكاديمية والثقافية الحقيقية.
جوهر المجموعة الثانية، اي جوهر "المصلحين" يتألف من الرئيس الاسد وخبرائه التقنيين. وفي رأي هؤلاء ان التصحيح والاستمرارية وحدهما قد يؤديان حصراً الى تخليد الركود الاقتصادي. لذا فانهم يركّزون على الاصلاح وعلى التحديث - التقني خصوصا - بما فيه الانتشار الواسع النطاق لتكنولوجيا الكومبيوتر والانترنت والهواتف الخلوية. وهم لا يعتبرون هذه التكنولوجيات ادوات خارجة على سيطرة الحكومة وقادرة على زعزعة الاستقرار، مثلما كان يفعل عدد كبير من اعضاء النظام القديم، بل ينظرون اليها بدلا من ذلك كعناصر حداثة ورموز لدخول سوريا في عصر العولمة.
ولا تشمل قاعدة المصلحين الاجتماعية النخبة التكنوقراطية فحسب، بل كذلك عددا كبيرا من اعضاء حزب البعث الشباب ومسؤوليه الذين يشعرون بأن الجيل القديم يعوق فرصهم المهنية. والاكثر من ذلك هو ان اقساما مهمة من المؤسسة المهنية تنتمي الى النزعة الاصلاحية، لأنها تعني ان استمرار الركود وغياب التكييف التقني قد يعرضان النظام لخطر لا تقل اهميته عن خطر التغيير المفاجئ او الثورة السياسية.
النزعة الثالثة هي الاكثر انتقادا للنظام بكامله، وهي تشدد على الحاجة الى التغيير. لذا يمكن اعتبارها المعارضة الليبرالية في المعنى الواسع للكلمة. ومعظم الذين ينتمون الى هذه النزعة يؤكدون ان القطاع العام قد تجاوز مرحلة الاصلاح، وان النظام التعليمي قد فسد في شكل جدي، وان الاصلاح الاقتصادي لم يعد ممكنا من دون قدر ضئيل على الاقل من الاصلاح السياسي، بما فيه مشاركة المجتمع المدني في الجدال السياسي، وحكم القانون، ومسؤولية الحكومة والشفافية والتعددية السياسية الحقيقية.
جوهر هذه النزعة هم المثقفون الليبراليون، وخصوصا هؤلاء الذين نظموا "بيان الـ99" ووقعوه في ايلول ،2000 وهو بيان ضم عددا كبيرا من الموالين السابقين لنزعات يسارية وقومية مختلفة. والاكثر من ذلك هو ان عددا من رجال السياسة المستقلين ينتمون الى هذه المجموعة. وبعضهم بدأ بتنظيم جمعيات تشبه الاحزاب، هي "النوادي"، او بالاشارة الى النموذج الكويتي، "الديوانيات".
وفي حين وجه حديثا كل من الجهاز الامني وحزب البعث تحذيرا الى الليبراليين من تجاوز حدودهم، مهددين خصوصا وفي شكل واضح هؤلاء الذين كانوا يرغبون علنا في تأسيس احزاب معارضة او تحويل النوادي والديوانيات من حلقات مناقشة الى منابر معارضة، الا انه لم يتم توقيف القوة الدافعة لهذا النوع من النشاطات.
ثمة ببساطة عدد كبير من الناس الذين يسعون الى مناقشة اكثر انفتاحا وانتقادا، وهم محترفون ومفكرون، وبعضهم ايضا عناصر من مجتمع الاعمال وحتى من الجيش. لكن يجب ان يكون واضحا ان هذه النزعة الليبرالية بعيدة كل البعد عن تشكيل مجموعة او حركة سياسية حقيقية. والعناصر التي تكونها متنوعة الى حد انها لا يمكن ان تشكل تحديا موحدا في وجه الحكومة او النظام.
اما نقطة ضعفها الكبرى اليوم، وبغض النظر عن انقساماتها وخلافاتها الداخلية، فقد تكون واقع انها لا تمثل حقا جيل سوريا الشاب. اذ يجب الا ننسى ان اكثر من نصف الشعب السوري هو تحت سن الثامنة عشرة. وبشار الاسد ومصلحوه هم اقرب الى تلك الغالبية، على صعيد العمر على الاقل، مما هي المعارضة الليبرالية.
في ما يتعلق بالوضع السياسي لهذه النزعات المختلفة في الجدال العام، فيمكن مقارنة الوضع الراهن في سوريا بوضع ايران في ظل حكم محمد خاتمي. يعرف "الليبراليون" ان الرئيس ليس ملتزما التغيير الجوهري للنظام. فبشار الاسد ما هو، في اي حال، الا ابن هذا النظام. وتركيزه على الشؤون المحلية لا يعني انه مصلح جذري. واذا كانت غالبية العناصر الليبرالية تميل رغم ذلك الى دعمه، فلأنها تتوقع منه تحسين ظروف النشاط السياسي وافساح المجال امام توسيع المشاركة التعددية. اكثر من ذلك، هي تريد من الرئيس ان يتخلص من "المصححين" الذين ينوون ابطاء عملية الانفتاح. و"المصححون" من جهتهم قلقون بازاء الميول الاصلاحية للجيل الجديد، لكنهم يعرفون كذلك، او يحدسون، بأن التغيير امر لا مفر منه. لذا فان بشار الاسد كان بالنسبة اليهم الرهان الذي ينطوي على اقل درجة من المجازفة، لأنه يضمن قدرا من الاستمرارية والاستقرار. ويحتاج الرئيس بدوره الى "المصححين" والى الحرس القديم، اقله موقتا. فهو يعتمد على تجربتهم وخبرتهم، ويتحدث بلغتهم في شؤون السياسة الخارجية. ويتيح له هذا حماية بعض الليبراليين، الى جانب افساح المجال امام خطواته الخاصة الاكثر ليبرالية، على غرار اطلاق سراح السجناء السياسيين.
وهو في المقابل يتوقع دعم الاحزاب الليبرالية وطول اناتها، مبلّغا اياها انه كمصلح، يقف فعليا الى جانبها في المبدأ، لكن يجب عليها الا تتوقع الحصول على الكثير سريعاً.
برلين - (خاص بـ"النهار")
ترجمة جمانة حداد
الخميس 8 آذار2001
جدال سوريا الداخلي
بين "التصحيحي" والاصلاحي والتغييري
فولكر برتس
الجدالات العلنية وشبه العلنية في سوريا اصبحت مثيرة للاهتمام مجددا منذ استلام بشار الاسد زمام السلطة. وموضوعات الجدال الرئيسية هي طبعا ذات طابع محلي وخصوصا الاقتصاد والنظام السياسي.
وليس الجدال محصورا في ما يسمى غالبا "الحرس القديم" و"الحرس الجديد". فهاتان المجموعتان موجودتان، الا ان العملية السياسية في سوريا هي اكثر تعقيدا من ان تكون محصورة بنزاع بين فئتين او مركزي سلطة. مع بعض التجريد، يمكن ان نميز ثلاث نزعات من المرجح ان تستمر، على ما يبدو، في تحديد نطاق الجدال المحلي لبعض الوقت. ويمكن ان نحدد هذه النزعات بناء على الموضوعات الرئيسية التي تركز عليها في خطاباتها، اي "التصحيح" و"الاصلاح" و"التغيير".
النزعة "التصحيحية" مثلا يمكن ان نسميها ممثلة بهؤلاء الذين يركّزون على "استمرارية التصحيح"، بالاشارة الى الحركة التصحيحية، وهي التسمية الرسمية لانقلاب حافظ الاسد عام .1970 ويقر "المصححون" بأنه تم ارتكاب بعض الاخطاء وبأنه من الضروري تصحيحها. لكنهم من جهة اخرى يصرون على ان الاستمرارية هي امر اساسي.
وهم يحذّرون بشار الاسد والاشخاص المحيطين به من مس منجزات النظام القديم، وخصوصا في ما يتعلق بالقطاع العام والبنى السياسية التي أسِّست خلال الاعوام الثلاثين من حكم والده.
وتتمركز قاعدة المصححين الاجتماعية في اوساط النقابات العمالية والقطاع العام والبيروقراطية الحكومية، كما في اوساط من اسميهم "البيروقراطية الفكرية" اي الكتّاب التابعون للدولة، والصحافيون او الاساتذة الذين يدينون بمراكزهم (وغالبا بشهاداتهم الجامعية كذلك) لاخلاصهم للنظام، ويتخوفون من اي تغيير قد يعرّضهم للمنافسة الاكاديمية والثقافية الحقيقية.
جوهر المجموعة الثانية، اي جوهر "المصلحين" يتألف من الرئيس الاسد وخبرائه التقنيين. وفي رأي هؤلاء ان التصحيح والاستمرارية وحدهما قد يؤديان حصراً الى تخليد الركود الاقتصادي. لذا فانهم يركّزون على الاصلاح وعلى التحديث - التقني خصوصا - بما فيه الانتشار الواسع النطاق لتكنولوجيا الكومبيوتر والانترنت والهواتف الخلوية. وهم لا يعتبرون هذه التكنولوجيات ادوات خارجة على سيطرة الحكومة وقادرة على زعزعة الاستقرار، مثلما كان يفعل عدد كبير من اعضاء النظام القديم، بل ينظرون اليها بدلا من ذلك كعناصر حداثة ورموز لدخول سوريا في عصر العولمة.
ولا تشمل قاعدة المصلحين الاجتماعية النخبة التكنوقراطية فحسب، بل كذلك عددا كبيرا من اعضاء حزب البعث الشباب ومسؤوليه الذين يشعرون بأن الجيل القديم يعوق فرصهم المهنية. والاكثر من ذلك هو ان اقساما مهمة من المؤسسة المهنية تنتمي الى النزعة الاصلاحية، لأنها تعني ان استمرار الركود وغياب التكييف التقني قد يعرضان النظام لخطر لا تقل اهميته عن خطر التغيير المفاجئ او الثورة السياسية.
النزعة الثالثة هي الاكثر انتقادا للنظام بكامله، وهي تشدد على الحاجة الى التغيير. لذا يمكن اعتبارها المعارضة الليبرالية في المعنى الواسع للكلمة. ومعظم الذين ينتمون الى هذه النزعة يؤكدون ان القطاع العام قد تجاوز مرحلة الاصلاح، وان النظام التعليمي قد فسد في شكل جدي، وان الاصلاح الاقتصادي لم يعد ممكنا من دون قدر ضئيل على الاقل من الاصلاح السياسي، بما فيه مشاركة المجتمع المدني في الجدال السياسي، وحكم القانون، ومسؤولية الحكومة والشفافية والتعددية السياسية الحقيقية.
جوهر هذه النزعة هم المثقفون الليبراليون، وخصوصا هؤلاء الذين نظموا "بيان الـ99" ووقعوه في ايلول ،2000 وهو بيان ضم عددا كبيرا من الموالين السابقين لنزعات يسارية وقومية مختلفة. والاكثر من ذلك هو ان عددا من رجال السياسة المستقلين ينتمون الى هذه المجموعة. وبعضهم بدأ بتنظيم جمعيات تشبه الاحزاب، هي "النوادي"، او بالاشارة الى النموذج الكويتي، "الديوانيات".
وفي حين وجه حديثا كل من الجهاز الامني وحزب البعث تحذيرا الى الليبراليين من تجاوز حدودهم، مهددين خصوصا وفي شكل واضح هؤلاء الذين كانوا يرغبون علنا في تأسيس احزاب معارضة او تحويل النوادي والديوانيات من حلقات مناقشة الى منابر معارضة، الا انه لم يتم توقيف القوة الدافعة لهذا النوع من النشاطات.
ثمة ببساطة عدد كبير من الناس الذين يسعون الى مناقشة اكثر انفتاحا وانتقادا، وهم محترفون ومفكرون، وبعضهم ايضا عناصر من مجتمع الاعمال وحتى من الجيش. لكن يجب ان يكون واضحا ان هذه النزعة الليبرالية بعيدة كل البعد عن تشكيل مجموعة او حركة سياسية حقيقية. والعناصر التي تكونها متنوعة الى حد انها لا يمكن ان تشكل تحديا موحدا في وجه الحكومة او النظام.
اما نقطة ضعفها الكبرى اليوم، وبغض النظر عن انقساماتها وخلافاتها الداخلية، فقد تكون واقع انها لا تمثل حقا جيل سوريا الشاب. اذ يجب الا ننسى ان اكثر من نصف الشعب السوري هو تحت سن الثامنة عشرة. وبشار الاسد ومصلحوه هم اقرب الى تلك الغالبية، على صعيد العمر على الاقل، مما هي المعارضة الليبرالية.
في ما يتعلق بالوضع السياسي لهذه النزعات المختلفة في الجدال العام، فيمكن مقارنة الوضع الراهن في سوريا بوضع ايران في ظل حكم محمد خاتمي. يعرف "الليبراليون" ان الرئيس ليس ملتزما التغيير الجوهري للنظام. فبشار الاسد ما هو، في اي حال، الا ابن هذا النظام. وتركيزه على الشؤون المحلية لا يعني انه مصلح جذري. واذا كانت غالبية العناصر الليبرالية تميل رغم ذلك الى دعمه، فلأنها تتوقع منه تحسين ظروف النشاط السياسي وافساح المجال امام توسيع المشاركة التعددية. اكثر من ذلك، هي تريد من الرئيس ان يتخلص من "المصححين" الذين ينوون ابطاء عملية الانفتاح. و"المصححون" من جهتهم قلقون بازاء الميول الاصلاحية للجيل الجديد، لكنهم يعرفون كذلك، او يحدسون، بأن التغيير امر لا مفر منه. لذا فان بشار الاسد كان بالنسبة اليهم الرهان الذي ينطوي على اقل درجة من المجازفة، لأنه يضمن قدرا من الاستمرارية والاستقرار. ويحتاج الرئيس بدوره الى "المصححين" والى الحرس القديم، اقله موقتا. فهو يعتمد على تجربتهم وخبرتهم، ويتحدث بلغتهم في شؤون السياسة الخارجية. ويتيح له هذا حماية بعض الليبراليين، الى جانب افساح المجال امام خطواته الخاصة الاكثر ليبرالية، على غرار اطلاق سراح السجناء السياسيين.
وهو في المقابل يتوقع دعم الاحزاب الليبرالية وطول اناتها، مبلّغا اياها انه كمصلح، يقف فعليا الى جانبها في المبدأ، لكن يجب عليها الا تتوقع الحصول على الكثير سريعاً.
برلين - (خاص بـ"النهار")
ترجمة جمانة حداد
-----------------------------------------------------
شيوعي سوداني سابق ينتقد «العلمانيين المسلمين» ويدعو إلى «تقليد علماني داخل الإسلام»
بعد أن تخلى عن أفكاره الأولى
واشنطن: محمد علي صالح
انتقد سوداني يعمل استاذا في جامعة اميركية العلمانيين المسلمين، وقال انهم "رفضوا الاعتراف بسقوطهم." ودافع عن الاسلامويين. واعلن انه هو، نفسه، "انهزم امامهم، بعد ان استقال من الحزب الشيوعي السوداني، وكان مسؤولا فيه".
وقال ان العلمانيين "مثل اغبياء ابرياء، يخدعون انفسهم بالاعتقاد بأن التطور لا يحتاج الى تضحيات كثيرة." واضاف: "بدلا من ان يفكروا تفكيرا عميقا في تصادم العلمانية مع الثقافة الاسلامية، لاموا كل شخص الا انفسهم على الخيارات السيئة التي اختاروها".
جاءت هذه الآراء في كتاب جديد اصدره د. عبد الله على ابراهيم، استاذ تاريخ مشارك في جامعة ميسوري الاميركية. اسم الكتاب: "هذيان مانوي: التجديد الاسلامي والقضائية الثنائية الاستعمارية في السودان".
ركز الكتاب على التطورات القضائية في السودان منذ سنة 1898، عندما غزت بريطانيا السودان، مع مصر، وحولته الى مستعمرة بريطانية مصرية، الى سنة 1985 عندما سقطت حكومة الرئيس نميري العسكرية، بعد ان حكمت لست عشرة سنة.
قسم ابراهيم الكتاب الى ستة اقسام. تناول في الأول بداية القوانين المدنية التي وضعها البريطانيون، ثم تحدث عن المواجهات التي استمرت اربعين سنة تقريبا بين القضاء المدني والقضاء الشرعي، مسجلاً مراسلات مهمة بين كبير القضاة (الشرعي) والسكرتير القضائي (المدني).
وتناول بعد ذلك سنوات ما بعد الاستقلال، وحكم الاحزاب السياسية، وميلها نحو اسلمة القوانين المدنية، حسب شعار "الدستور الاسلامي"، وحكم جعفر نميري العسكري الذي استمر ست عشرة سنة، وتقلباته بين اليسار واليمين، ثم اعتماده الشريعة. وخصص صفحات لمحمود محمد طه، الزعيم الديني صاحب "رسالة الاسلام الثانية" الذي اعدم خلال حكم نميري بتهمة الخروج عن الاسلام، وكذلك للدكتور حسن الترابي الذي قاد الاسلاميين لأكثر من عشرين سنة، حتى اوصلهم الى الحكم بعد انقلاب عسكري، وأخيراً تناول "القضاء الموحد" الذي اسسته الحكومة الاسلامية الحالية، خاتمة بذلك مائة سنة تقريبا من المواجهة بين القضاء المدني (الاوروبي)، والقضاء الشرعي (الاسلامي).
* الشيوعية والشريعة
اضاف ابراهيم الى هذه الفصول التاريخية مقدمة وخلاصة طويلتين (عشرين في المائة تقريبا من الكتاب)، فيها آراء مثيرة، ومعلومات شخصية.
في جانب المعلومات الشخصية، كتب عن انتقاله من الشيوعية الى الشريعة. وقال: "استقلت، في سنة 1978، من الحزب الشيوعي السوداني، بعد عشرين سنة تقريبا من العمل المكثف الذي آمل ان يكون جديرا بالتقدير. عملت كطالب نشط، وعملت في المجال الثقافي".
* لماذا استقال؟
يقول: "انتقدت عدم قدرة الحزب الشيوعي على التغلب على كارثة سنة 1971، عندما قاد انقلابا فاشلا ضد حكومة نميري العسكرية، اليسارية في ذلك الوقت. وبعدها اعدم نميري عبد الخالق محجوب، سكرتير الحزب، و الشخصية الجذابة، والقارئ الجيد، والمتكلم الجيد". ويضيف: "نظر الحزب الى نفسه كضحية، ولا يزال، ومال نحو الغضب المتزايد بدلا عن التأمل في نفسه".
ولهذا، فان "بحث الحزب عن الانتقام قلل من قدرته على ان يعود كحزب سياسي مختلف، كما كان. وفقد رغبته في دراسة نفسه، والعالم حوله. وصار حزبا عاديا يشترك في صراعات الصفوة المميتة".في نفس السنة استقال ابراهيم من الحزب الشيوعي، وتوفي والده. وكان ذلك سبب زيارته للمحكمة الشرعية، لأول مرة، لتسوية ورثة والده. وفتحت زياراته عينيه على شيئين:
اولا، مناظر الفقر والبؤس داخل المحاكم الشرعية: "اطفال منبوذون، وعائلات فقيرة، ونساء اسيرات زواجات لا يقدرن على الخروج منها الا بأذونات من ازواجهن".
ثانيا: نظرات الاستعلاء من جانب القضاة والمحامين المدنيين للقضاة الشرعيين، مثل عبد الله صالح، محامي (مدني)، وصديق منذ ايام المدرسة المتوسطة في عطبرة، و"شيوعي جيد". قال انه يحمل رخصة المثول امام المحاكم الشرعية، لكنه لم يفعل ذلك أبدا.
وفي السر، قال له شيوعي سابق: "نحن مع الرجال والنساء الذين لا يحتاجون لمساعدتنا. لماذا لا نساعد البؤساء الذين ينتظرون من المحاكم الشرعية ان تنصفهم"؟
كل ذلك أثر على قناعاته، إضافة إلى تأثير والده، الذي كان عاملا نقابيا في السكة الحديدية في عطبرة. لكنه اصيب بخيبة امل من مؤامرات النقابيين والسياسيين، حتى الشيوعيين. ولهذا، نصح ابنه ان يبتعد عن هؤلاء، وان يقدم نصائحه من على منبر جامع.
ويقول ابراهيم ان كتابه هذا هو "فرصة لأن اعترف بهزيمتي على ايدي الاسلامويين. هزيمة بعد قتال طويل ضدهم عندما كنت نقابيا نشطا، وناشرا، وكاتب روايات، واكاديميا، وصحافيا، منذ ان دخلت جامعة الخرطوم في بداية الستينات.. وإنه فرصة لاعيد ثقتي، كحداثي لا ينكر تغربه وراديكاليته، في امكانية تحقيق وجود علماني داخل نظام اسلامي. واتهم "العلمانيين المسلمين" بانهم "فشلوا فشلا واضحا" في تأسيس "تقليد علماني داخل الاسلام".
وقال ان الاسلاموية يمكن النظر اليها "كامتداد علماني اكثر من ان تكون معادية للعلمانية"، وان التجديد الاسلامي يمكن النظر اليه كنتاج للوطنية، ومرتبط بها ارتباطا قويا".
* الدين والهوية
واستشهد ابراهيم بآخرين انتقدوا العلمانيين:
اولا، جون اسبسيتو (مدير مركز الدراسات الاسلامية والمسيحية في جامعة جورجتاون) الذي حذر من "انحياز العلمانيين" عند تناولهم الاسلام وبقية الاديان، وقال ان كتابات بعض العلمانيين عن الاسلام صارت "مثل نعي، مثل تسجيل تاريخ شيء يموت".
ثانيا، ديفيد كوديل (مؤلف كتاب "نحو نظرية تحليل نفسي قانونية") الذي قال ان العلمانيين ينظرون الى دور الدين في حياة الانسان وكأنه "انحياز يجب ان يوضع جانبا، بدلا من اعتباره دورا لا بد منه".
ثالثا، لويس برينار (مؤلف كتاب"الهوية الاسلامية والتغيير الاجتماعي في افريقيا جنوب الصحراء") الذي أشار إلى عدم نزاهة العلمانيين الذين يكتبون عن الاسلام في افريقيا. ويؤمن مؤلف الكتاب بأنه يوجد شيء اهم من الشيوعيين، والاسلاميين، والعلمانيين، وهو: الحرية. إنها لا تحتاج الى نظريات وفلسفات، لأنها شيء بديهي، وفطري، وطبيعي. ولأن الانسان اما حرا، او ليس حرا. لا يوجد شيء اسمه نصف حرية، او ربع حرية.
لهذا، لا يوجد فرق بين كل من يشترك في حكومات غير حرة، او يؤيدها، او يطبل لها: شيوعي، او اسلامي، او علماني. لكن، يوجد فرق بين هؤلاء، وبين الذي يعارضون هذه الحكومات الظالمة.
* المؤلف.. من هو؟
> ولد ابراهيم سنة 1942 في القلعة، عمودية جيلاس، مركز مروي، في شمال السودان. ونال بكالوريوس، وماجستير من جامعة الخرطوم، ودكتوراه من جامعة انديانا. وعمل استاذا في جامعة الخرطوم، ثم زميلا في جامعة نورث ويستيرن الاميركية، قبل ان يلتحق بجامعة ميسوري.
ومن كتبه عن السودان: «العين الحارة للرباطاب» و «صراع المهدي والعلماء» و«الديمقراطية والثقافة في السودان» و «فرسان كنجرت: تاريخ الكبابيش» و "الشريعة والحداثة" و «النهضة والمقاومة في ممارسة الحزب الشيوعي».
---------------------------------------------------------
بعد أن تخلى عن أفكاره الأولى
واشنطن: محمد علي صالح
انتقد سوداني يعمل استاذا في جامعة اميركية العلمانيين المسلمين، وقال انهم "رفضوا الاعتراف بسقوطهم." ودافع عن الاسلامويين. واعلن انه هو، نفسه، "انهزم امامهم، بعد ان استقال من الحزب الشيوعي السوداني، وكان مسؤولا فيه".
وقال ان العلمانيين "مثل اغبياء ابرياء، يخدعون انفسهم بالاعتقاد بأن التطور لا يحتاج الى تضحيات كثيرة." واضاف: "بدلا من ان يفكروا تفكيرا عميقا في تصادم العلمانية مع الثقافة الاسلامية، لاموا كل شخص الا انفسهم على الخيارات السيئة التي اختاروها".
جاءت هذه الآراء في كتاب جديد اصدره د. عبد الله على ابراهيم، استاذ تاريخ مشارك في جامعة ميسوري الاميركية. اسم الكتاب: "هذيان مانوي: التجديد الاسلامي والقضائية الثنائية الاستعمارية في السودان".
ركز الكتاب على التطورات القضائية في السودان منذ سنة 1898، عندما غزت بريطانيا السودان، مع مصر، وحولته الى مستعمرة بريطانية مصرية، الى سنة 1985 عندما سقطت حكومة الرئيس نميري العسكرية، بعد ان حكمت لست عشرة سنة.
قسم ابراهيم الكتاب الى ستة اقسام. تناول في الأول بداية القوانين المدنية التي وضعها البريطانيون، ثم تحدث عن المواجهات التي استمرت اربعين سنة تقريبا بين القضاء المدني والقضاء الشرعي، مسجلاً مراسلات مهمة بين كبير القضاة (الشرعي) والسكرتير القضائي (المدني).
وتناول بعد ذلك سنوات ما بعد الاستقلال، وحكم الاحزاب السياسية، وميلها نحو اسلمة القوانين المدنية، حسب شعار "الدستور الاسلامي"، وحكم جعفر نميري العسكري الذي استمر ست عشرة سنة، وتقلباته بين اليسار واليمين، ثم اعتماده الشريعة. وخصص صفحات لمحمود محمد طه، الزعيم الديني صاحب "رسالة الاسلام الثانية" الذي اعدم خلال حكم نميري بتهمة الخروج عن الاسلام، وكذلك للدكتور حسن الترابي الذي قاد الاسلاميين لأكثر من عشرين سنة، حتى اوصلهم الى الحكم بعد انقلاب عسكري، وأخيراً تناول "القضاء الموحد" الذي اسسته الحكومة الاسلامية الحالية، خاتمة بذلك مائة سنة تقريبا من المواجهة بين القضاء المدني (الاوروبي)، والقضاء الشرعي (الاسلامي).
* الشيوعية والشريعة
اضاف ابراهيم الى هذه الفصول التاريخية مقدمة وخلاصة طويلتين (عشرين في المائة تقريبا من الكتاب)، فيها آراء مثيرة، ومعلومات شخصية.
في جانب المعلومات الشخصية، كتب عن انتقاله من الشيوعية الى الشريعة. وقال: "استقلت، في سنة 1978، من الحزب الشيوعي السوداني، بعد عشرين سنة تقريبا من العمل المكثف الذي آمل ان يكون جديرا بالتقدير. عملت كطالب نشط، وعملت في المجال الثقافي".
* لماذا استقال؟
يقول: "انتقدت عدم قدرة الحزب الشيوعي على التغلب على كارثة سنة 1971، عندما قاد انقلابا فاشلا ضد حكومة نميري العسكرية، اليسارية في ذلك الوقت. وبعدها اعدم نميري عبد الخالق محجوب، سكرتير الحزب، و الشخصية الجذابة، والقارئ الجيد، والمتكلم الجيد". ويضيف: "نظر الحزب الى نفسه كضحية، ولا يزال، ومال نحو الغضب المتزايد بدلا عن التأمل في نفسه".
ولهذا، فان "بحث الحزب عن الانتقام قلل من قدرته على ان يعود كحزب سياسي مختلف، كما كان. وفقد رغبته في دراسة نفسه، والعالم حوله. وصار حزبا عاديا يشترك في صراعات الصفوة المميتة".في نفس السنة استقال ابراهيم من الحزب الشيوعي، وتوفي والده. وكان ذلك سبب زيارته للمحكمة الشرعية، لأول مرة، لتسوية ورثة والده. وفتحت زياراته عينيه على شيئين:
اولا، مناظر الفقر والبؤس داخل المحاكم الشرعية: "اطفال منبوذون، وعائلات فقيرة، ونساء اسيرات زواجات لا يقدرن على الخروج منها الا بأذونات من ازواجهن".
ثانيا: نظرات الاستعلاء من جانب القضاة والمحامين المدنيين للقضاة الشرعيين، مثل عبد الله صالح، محامي (مدني)، وصديق منذ ايام المدرسة المتوسطة في عطبرة، و"شيوعي جيد". قال انه يحمل رخصة المثول امام المحاكم الشرعية، لكنه لم يفعل ذلك أبدا.
وفي السر، قال له شيوعي سابق: "نحن مع الرجال والنساء الذين لا يحتاجون لمساعدتنا. لماذا لا نساعد البؤساء الذين ينتظرون من المحاكم الشرعية ان تنصفهم"؟
كل ذلك أثر على قناعاته، إضافة إلى تأثير والده، الذي كان عاملا نقابيا في السكة الحديدية في عطبرة. لكنه اصيب بخيبة امل من مؤامرات النقابيين والسياسيين، حتى الشيوعيين. ولهذا، نصح ابنه ان يبتعد عن هؤلاء، وان يقدم نصائحه من على منبر جامع.
ويقول ابراهيم ان كتابه هذا هو "فرصة لأن اعترف بهزيمتي على ايدي الاسلامويين. هزيمة بعد قتال طويل ضدهم عندما كنت نقابيا نشطا، وناشرا، وكاتب روايات، واكاديميا، وصحافيا، منذ ان دخلت جامعة الخرطوم في بداية الستينات.. وإنه فرصة لاعيد ثقتي، كحداثي لا ينكر تغربه وراديكاليته، في امكانية تحقيق وجود علماني داخل نظام اسلامي. واتهم "العلمانيين المسلمين" بانهم "فشلوا فشلا واضحا" في تأسيس "تقليد علماني داخل الاسلام".
وقال ان الاسلاموية يمكن النظر اليها "كامتداد علماني اكثر من ان تكون معادية للعلمانية"، وان التجديد الاسلامي يمكن النظر اليه كنتاج للوطنية، ومرتبط بها ارتباطا قويا".
* الدين والهوية
واستشهد ابراهيم بآخرين انتقدوا العلمانيين:
اولا، جون اسبسيتو (مدير مركز الدراسات الاسلامية والمسيحية في جامعة جورجتاون) الذي حذر من "انحياز العلمانيين" عند تناولهم الاسلام وبقية الاديان، وقال ان كتابات بعض العلمانيين عن الاسلام صارت "مثل نعي، مثل تسجيل تاريخ شيء يموت".
ثانيا، ديفيد كوديل (مؤلف كتاب "نحو نظرية تحليل نفسي قانونية") الذي قال ان العلمانيين ينظرون الى دور الدين في حياة الانسان وكأنه "انحياز يجب ان يوضع جانبا، بدلا من اعتباره دورا لا بد منه".
ثالثا، لويس برينار (مؤلف كتاب"الهوية الاسلامية والتغيير الاجتماعي في افريقيا جنوب الصحراء") الذي أشار إلى عدم نزاهة العلمانيين الذين يكتبون عن الاسلام في افريقيا. ويؤمن مؤلف الكتاب بأنه يوجد شيء اهم من الشيوعيين، والاسلاميين، والعلمانيين، وهو: الحرية. إنها لا تحتاج الى نظريات وفلسفات، لأنها شيء بديهي، وفطري، وطبيعي. ولأن الانسان اما حرا، او ليس حرا. لا يوجد شيء اسمه نصف حرية، او ربع حرية.
لهذا، لا يوجد فرق بين كل من يشترك في حكومات غير حرة، او يؤيدها، او يطبل لها: شيوعي، او اسلامي، او علماني. لكن، يوجد فرق بين هؤلاء، وبين الذي يعارضون هذه الحكومات الظالمة.
* المؤلف.. من هو؟
> ولد ابراهيم سنة 1942 في القلعة، عمودية جيلاس، مركز مروي، في شمال السودان. ونال بكالوريوس، وماجستير من جامعة الخرطوم، ودكتوراه من جامعة انديانا. وعمل استاذا في جامعة الخرطوم، ثم زميلا في جامعة نورث ويستيرن الاميركية، قبل ان يلتحق بجامعة ميسوري.
ومن كتبه عن السودان: «العين الحارة للرباطاب» و «صراع المهدي والعلماء» و«الديمقراطية والثقافة في السودان» و «فرسان كنجرت: تاريخ الكبابيش» و "الشريعة والحداثة" و «النهضة والمقاومة في ممارسة الحزب الشيوعي».
---------------------------------------------------------

