
الجمهوريات الملكية... أو خاصيات «السلطة القدرية»
ماجد الشيخ
لأول مرة ربما تتكشف او تبلغ الاستعصاءات السياسية ذرى جديدة غير مسبوقة في بلادنا، وفي القلب منها مجتمعاتنا الوطنية، في استعادة «لأمجاد» مكوناتها البدائية، استظهاراً لحوافز الدفاع عن مصالح أطرافها المتصارعة او المتخاصمة مع ذاتها او مع «آخر» محلي او إقليمي او دولي، مقولبة غرائز «جمهورها» في الشارع تحشيداً وتجييشاً له في معركة او معارك تصوّر على أنها «مصيرية» في الدواخل الوطنية، فيما «الخوارج» الاقليمية والدولية أضحت الدافع الابرز المكون لاصطفافات التحشيد والتجييش إلى هذا الجانب او ذاك، في استثارة «الغرائز الجديدة» الناشئة من غياب الهم الوطني والانتماءات الوطنية وهوياتها الجامعة. وفي غيبة العقل السياسي والفكر السياسي الناجز، الممتلئ بحيوية وإحيائية الثقافة المؤسسة للسياسة بمعناها غير الاصطفائي، القائمة على ارتياد المداخل والمخارج الكفيلة بتوفير مقومات التسوية او التسويات المطلوبة إزاء الازمات والاشكالات المثارة، فإن أنصاف التسويات او التوافقات المصلحية والمنفعية الطابع، القائمة على توازنات هشة او حلول وأنصافها المجحفة، لن تفضي إلا إلى تعميق شروخ التوازنات، وقيام علاقات تكاذب فاضحة، سرعان ما تنهار او تتكشف عن بؤس وعي شقي، لا يرى في تعمياته السياسية سوى رؤاه ومصالحه الاحادية وأنانياتها، تلك التي تعيد إنتاج نرجسية السياسة، وقيامها على حوامل المصلحة السلطوية الناجزة في تأبيد عصبيتها وعصبويتها في آن، واستسقائها من دم المخمورين بنشوة الاثارة الغرائزية واستسهالها العقيدي الانقيادي، المترسم شكلاً قطيعياً لوعيه المتولد من تخارجات قوى الهيمنة بمرجعياتها الاستبدادية التسلطية، المعممة لخراب العمران وهلاك مجتمع الانسان. وفي ظل المعطى العربي الراهن، يبدو أنه لن يكون من السهل الحديث عن مشروع سياسي لدى أنظمة حكم تغرق في تغييب، بل استبعاد كل فعل سياسي جاد وحقيقي، في أروقتها العاملة على «تأبيد» شكل من أشكال سلطة تتناسل من طبائع استبداد متغيرة، تنهل على الدوام من معين واحد: معين الواحدية السلطوية رغم تعددية مرجعياتها البطركية المنبثة في كامل البنى القائمة التي عززت وتعزز دوماً كاريزما السلطة وابويتها، مجسدة في زعامات فردية/نخبوية/طغموية، استندت وأسندت في كل الاحوال ببنى بيروقراطية مدنية/اجتماعية/عسكرية/مخابراتية، شكلت للزعيم الفرد او للزعامات الفردانية الاحادية بمجموعها، شبكة أمان استمرارية التشبث بسلطة «قدرية»، مارست فعلها ومؤثراتها التبادلية في تكوين شبكة أمان لكل أولئك الذين تحلّقوا ويتحلقون حولها، كونها «ضمانة الاستمرار» للزعيم الفرد او للزعماء الافراد، وبيروقراطيات السلطة العاملة على تكريس الهيمنة، وعصبية القوة وعنجهية السطوة والنفوذ وإفسادات السلطة والثروة. هنا لا سياسة في أروقة سلطة كهذه، رغم تشدّقات «الضرورات» المفتعلة، هنا لا تتأسس الدولة إلا في غياب السلطة. هنا لا تنتج المواطنة دولتها، بل ان السلطة هي التي تسعى إلى «تصنيع مواطنة» تتلاءم ورؤيتها لذاتها. هنا لا تحمل السلطة اي مشروع سياسي، بل هي لا تمارس مطلقاً اي سياسة، إلا إذا كان المشروع السلطوي كماهية تسلطية، هو جوهر المشروع السياسي للسلطة في غياب الدولة. هنا تؤكد الزعامات الكاريزمية للسلطة ان «إنجازاتها» ليست أكثر من اشتغال على تنمية روح الخوف والشقاق والنفاق في المجتمع، وتغييب فرص التنمية الحقيقية المشغولة بهموم تطوير القدرات البشرية، وحجب رؤية الافق الحداثي التقدمي الديموقراطي أمام الدواخل الوطنية. إن الفراغ او الافراغ التام للفضاء العام من السياسة، والعمل على تصحير المجتمعات، هو ما أغرى ويغري «بالتأبيد لسلطة الابد»، وهو ذاته الحيز الذي يدفع باتجاه التوريث في أكثر من بلد عربي، في ظل انسداد كامل للأفق الديموقراطي الذي لا يؤشر في كل حال إلى طريق واحد مغلق، بل إلى انغلاق في العديد من المسارات التي يمكن أن تؤدي إلى خلق واقع ديموقراطي، ليس أولها طبيعة السلطة او النظام السلطوي الحاكم، بل بنية المجتمعات البطركية ذاتها في امتناعها وتمنعها لأسباب كثيرة عن عدم إقحام قواها ونخبها المتنورة لممارسة السياسة، وخضوعها للبنى الامنية البيروقراطية للسلطات الحاكمة وأجهزتها، او اندماجها في بنى النظام و«مجتمعه» وأحزابه ونقاباته. إن الوضع الذي أدى ويؤدي إلى تأبيد السلطة هو ذاته الوضع الذي يؤدي، بل يشجع على التوريث. وهذا ما يكشف زيف مقولات ومفاهيم الاستقرار، تلك التي لا تتخارج عن كونها نمطاً من القبول والاستمرار تحت مسميات الاستقرار الزائف. اي استقرار هو ذاك الذي ينزع «الدولة» من سياقها الوظيفي المحدد، ليثبت بديلاً لها سلطة هجينة، ابتاعت وتبتاع هيمنتها، انطلاقاً مما امتلكت وتملك، وحازت وتحوز من تسلط القوة والعصبية، وهيمنة المال السياسي وإفشائه وتغوّله، وصولاً إلى هز واضطراب عرش «الاستقرار الدستوري» بعد أن شهدت عروش السياسة والاقتصاد اهتزازات واضطرابات مماثلة؟ وطالما اتجهت «الجمهوريات الملكية» إلى «تحصين» ذاتها بالقانون الاساس وتوفير غطاء «دستوري» لازم لتحولاتها «التوارثية» او «التوريثية»، عبر التلاعب بالدستور وببعض مواده، او المضي في لعبة «التعديلات الدستورية» الكفيلة بإدامة نظام السلطة وأدواتها، فإن هذا لن يغير من «قدرية» سلطة النظام في نظر أتباعه وأشياعه الذين يعتقدون ان «الاستقرار» الذي يمنّه النظام عليهم وعلى الوطن، يجب أن يكافأ بإعادة تكرار واجترار سيرة ومسيرة الزعيم الفرد والاحتكام إليه، وإلى سلطة نظامه في استمرار الحكم، والتمسك به زعيماً للأمة وقائداً للشعب، حتى ولو اقتضى الامر تغيير الدستور لا تعديله فحسب، قلب السياسة او تعديلها وتعديل مساراتها، وقلب الاقتصاد وتحويل مساراته، كل هذا من أجل ان يبقى الزعيم قائداً لمسيرة تفتقد المسير، ولدولة غابت او غيبت محدداتها، واختزلت الامة في شخص زعيمها الفرد الواحد الملهم. هكذا مع «جمهورياتنا الملكية» ما عادت السلطة وظيفة يؤديها موظفون ضمن واجباتهم تجاه العموم ـ عامة الناس ـ، للأسف هناك في أروقة بعض سلطاتنا يراد من الناس ـ عموم الناس ـ المواطنين ان يكونوا في خدمة موظفي السلطة او خصوصيي «السلطة القدرية» التي استباحت وتستبيح كل الحقوق من أجل مصالحها الخاصة، فيما يراد للواجبات ان تبقى من «نصيب» العموم، عموم الرعايا الذين يستوون في نظر السلطة، كونهم خدامها وخدام سياساتها. لقد ضاقت دساتير بعض البلدان بـ«طموحات» الزعيم الفرد وأفراد حاشية «دعاة الاستقرار»، إلى الحد الذي باتت «التعديلات الدستورية» لا تحمل سوى صكوك إشاعة تبريرات «الاستمرار»، من سوريا إلى روسيا إلى مصر إلى تونس واليمن وليبيا.. والحبل على الجرار، وهي كلها بلدان لم تدع يوماً ان دساتيرها وأنظمتها الحاكمة إنما تريد ان تنحو نحو مزيد من الديموقراطية او الليبرالية المأخوذة من منابعها الصافية في سلوكها السياسي، حتى يمكن للتعديلات الدستورية التي سبق إقرارها او جرى الاستفتاء عليها او يفكر في إجرائها، ان تحقق او تقود إلى انفتاح آفاق ديموقراطية واعدة، ذلك إن ما جرى ويجري على هذا الصعيد لا يختلف عن وراثة الاستبداد او إعادة تصنيعه دستورياً وإعادة صقل النظام وتصفيحه سلطوياً وتسلطياً، انطلاقاً من الفرد إلى العائلة إلى الحاشية إلى هجائن الطبقات الاجتماعية المتفسخة وقياصرة المال والثروة المتحالفين مع قياصرة السلطة.
([) كاتب فلسطيني السفير
--------------------------------------