Donnerstag, 31. Mai 2007

رضا حداد شهيد الحرية ، شهيد الحزب


من شهداء الحرية ، رضا حداد


مقتطفات من شهادة الشهيد الصحفي رضا حداد
________________________________________



لكي يبرهن نظام بشار الأسد على حقيقة انتمائه بالكامل إلى ماضي نظام أبيه حافظ الأسد ؛ ولكي تضاف خيبة جديدة إلى سلسلة خيبات الذين راهنوا ـ لأسباب تخصّ قصور الرؤية ، أو الشيخوخة الكفاحية ، أو مزاج المهادنة ، أو حتى الإنتهازية السياسية الصرفة ـ على "الرئيس الشاب"، وعلّقوا الآمال على قراراته "الإصلاحية" التي تأتي ولا تأتي ، سنة بعد سنة بعد سنة ؛ وأخيراً ، لكي يبرهن حزب البعث أنه ـ وهو الهيولى الأقرب إلى جثة هامدة، رغم المليونين من أعضائه الدهماء والرعاع والمننتفعين واللصوص والعسس والمنافقين والأزلام ... ـ ليس سوى استطالة شعبوية فاشية ، وعميل مباشر لدى مافيات الفساد والإستبداد وأجهزة الأمن الحاكمة... لكي يتأكد كلّ هذا بجلاء ما بعده جلاء ، وحتى دونما أي اكتراث من السلطة بالإبقاء على ورقة توت واحدة تستر العورة القبيحة ، انتخب المؤتمر العاشر لحزب البعث اللواء المتقاعد هشام بختيار، رئيس جهاز أمن الدولة ومجرم الحرب وأحد أقذر جلاّدي "الحركة التصحيحية" وأكثرهم وحشية وسادية ، عضواً في في القيادة القطرية.
الآلاف من أبناء سورية ، وبصرف النظر عن عقائدهم الفكرية وتنظيماتهم السياسية وانتماءاتهم المذهبية ، ذاقوا أمرّ ألوان التعذيب على يد هذا الجلاد ، إسوة بالعشرات أمثاله من الوحوش البشرية التي سهر حافظ الأسد شخصياً على تربيتها عاماً بعد عام ، ومنحها ترخيصاً مطلقاً بانتهاك كلّ محرّم إنسانيّ وقانوني في سبيل الحفاظ على أمن النظام . السطور التالية اقتباس مباشر من الشهادة المكتوبة التي دوّنها ـ للتاريخ ، وليوم مثل هذا تحديداً ـ الكاتب والصحافي والرفيق المناضل السوري رضا حداد (1954 ـ 1996)، أحد أنبل وأجمل ضحايا هشام بختيار .

ولد الشهيد رضا حداد عام 1954 لأب دمشقي وأمّ لبنانية جنوبية ، ودرس في بيروت ، ونشط في صفوف حركة "فتح" ومنظمة العمل الشيوعي في لبنان ، وشارك في نضالات المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية . درس اللغة الفرنسية وآدابها في جامعة دمشق ، وعمل في الصحافة . انضم إلى صفوف الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) عام 1979، واختطفته المخابرات العسكرية من أحد شوارع دمشق أوسط تشرين الاول 1980، وبقي في الإعتقال حتى العام 1995، تنقّل خلالها بين سجون الشيخ حسن والقلعة وعدرا . المرحوم الصحفي رضا حداد الذي أصيب بسرطان الدم . هذا المرض الذي أودى به بعد ثمانية أشهر من خروجه من السجن الذي قضي فيه خمسة عشر عاماً بتهمة مناهضة الثورة . توفي مساء الاثنين 10/ 6/1996، بعد صراع مع السرطان.

يقول الشهيد رضا حداد في شهادته عن مجرمَي الحرب هشام بختيار وعلي دوبا : اتجنب الحديث عن مرحلة الإعتقال الأولى ، وفترة التحقيق ، لأن ذكراها تؤلمني ، تشوشني ، تحيي في داخلي كل مشاعر الذل والمهانة والألم النفسي ، عندما تصبح لا شيء وهم يؤكدون لك بوسائلهم في كل لحظة انك مجرد رقم يمكن أن تمحى ليس من سجلاتهم بل من الوجود متى شاؤوا وببساطة. رقمي أنا كان 61 ... هذا ما علمته بعد عودتي من المشفى إلى فرع التحقيق . قضيت في المستشفى سبعة أيام، إثنين منها في غرفة العناية المشددة وأنا بحالة غياب كامل عن الوعي . والسبب ببساطة [أنهم] طلبوا مني بعد اعتقالي بدقائق وأنا معصوب العينين ومغلول اليدين والقدمين ، طلب مني هشام بختيار ، كما طلب فيما بعد علي دوبا رئيس شعبة الإستخبارات العسكرية ، تزويده بمعلومات لا أملك منها شيئاً . قال: "قل ما نريد وستعود إلى عملك وبيتك ، أنت صحفي ومثقف ونحن لا نريد إيذاءك". رغم شعوري بالخوف ابتسمت في سري ، خمسة عناصر مسلحون بالرشاشات الكلاشينكوف يسوقونني في منتصف الشارع ويخطفوني من الطريق ، يعصبون عيني ويكبلون يدي بالأصفاد، ويقول "لا نريد إصابتك بأي أذى"! أكدت لهما عدة مرات أني لا أملك معلومات عن الموضوع الذي يحققون به . نعم ، أنا صديق ومؤيد لخطّ الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)، لكن هذا لا يعني إمتلاكي المعلومات التي تطلب، أجبت السيد علي دوبا.
وبدأت دورة العذاب الجهنمية التي تركت آثارها في أيامي وطيلة حياتي المتبقية . آثارها جسدية تمثلت بأعطال شبه دائمة وأخرى مؤقته ، وآثار نفسية لن تمحوها السنوات. عُلقت على سلم حديدي مرتفع ، يدي مشدودة إلى عارضة حديدية وجسمي يلوح في الهواء مرتفعاً عن الأرض بقدر متر تقريباً ، بعد أن جُردت من كافة ملابسي. كل هذا وعيناي معصوبتان بعصابة سوداء، مع عدة لكمات في البطن وأسفل الظهر. لم أستطع تحديد الوقت الذي بقيت فيه معلقاً أتأرجح في الهواء. كل ما أذكره الألم الفظيع في عضلات البطن ، ثم تشنج وصبيب من العرق، وغياب عن الوعي . صحّوني لتبدأ مرحلة أخرى من العذاب. الضرب بالكابلات على القدمين حتى تورمتا تورماً كاملاً. وكلا الضابطين يعيدان نفس الأسئلة أثناء عملية الضرب، وأنا أؤكد أني لا أملك أية معلومات تفيدهم في الموضوع المطروق. إغماء مرة أخرى. وجدت نفسي بعدها مربوطاً إلى كرسي، وركبتاي تبرزان إلى الأمام وتسبب في ثني ساقي وربطهما بطريقة لا أعرف كيف تتم حتى هذه اللحظة، لأني كنت في حالة تشوش عالية، ولا تزال العصابة على عيني وفخذي في وضعية الفسخ.
تناول العميد هشام جسماً صلباً مفلطحاً وأخذ يضربني بشدة ولؤم على ركبتي ويكيل لي السباب والشتائم بلغة فاحشة مليئة بالبذاءة والرذيلة: "يا كلب، يا حيوان، أنت حشرة سأمعسك بقدمي. يا إبن ( ............ ) سأفعل وأترك بأخواتك وأمك "... ويعيد الضرب، وأنا أكرر الإجابة ذاتها. كان اللواء علي دوبا أمهر منه بكثير في السباب والشتائم، ولا غرابة في ذلك فهو رئيسه. وبعد أن ثار غضبه ، أخذ علي دوبا يكلمني ويركلني بقدميه، وقال: "والله يا كلب، يا إبن ( ........ ) ، إذا ما إعترفت، لأحضر زوجتك، ( ....... ) ، وأعريها قدامك هون ، وأفعل فيها"... أصبت بدوار شديد وشعرت برغبة شديدة في تقيؤ كل محتوياتي في وجه هذا الوحش . غبت عن الوعي مرة أخرى. وصحوت لأجد نفسي ممدداً على الأرض . وقد ربطوا بأصابع يدي ورجلي سلكين كهربائيين، وبدأ التيار يسري في جسدي وأنا ممدد على أرض مبللة بالماء. العميد بختيار يقف عند رأسي ، واللواء علي دوبا يجلس على كرسي . للحظات قليلة استطعت مشاهدته من خلال فرجة تحت عصبة العينين السوداء لأني كنت في وضعية استلقاء كاملة. كان يرتدي بنطالاً سكرياً حريرياً، يضع رجلاً على رجل، وفي فمه سيكار ضخم، و يحمل في يده كأساً من الويسكي . هذا ما شاهدته حقاً وأنا أرتعد من سريان التيار الكهربائي في جسدي، والألم يمزق كل خلية في جسمي وبشكل خاص دماغي . كانوا يقفون للحظات يعيدون السؤال، ثم يسكبون الماء على جسدي، و يعودون لتمرير التيار الكهربائي. لم أستطع معرفة مقدار المدة الزمنية التي قضيتها تحت التعذيب. وفي المرحلة الأخيرة لم أعد أقدر على إحتمال الألم. رأسي كرة تلتهب، أشعر بأني أتمزق وأتلاشى، دماغي تكاد تنفجر من شدة الألم والتيار لا يتوقف عن السريان في عروقي . بيأس كامل أخذت ألطم رأسي بشدة بالأرض، بكامل القوة التي بقيت في جسدي كنت أرفع رأسي لأخبطها وأضرب الأرض بشدة. أخذوا يشتمونني. أمسكوا برأسي. وقف علي دوبا مغتاظاً من عدم وصوله إلى أية نتائج مرجوة لمعلومات لا أملك منها شيئاً، وأخذ يركل رأسي بحذائه بقسوة، ويدوس على رقبتي، ويدخل مقدمة حذائه في حلقي وهو يقول غاضباً : "بدّي موتك ياعرص يا إبن (........ )! تريد أن تموت بطلاً؟ سألبي لك رغبتك، موت يا (........) يا إبن العاهرة ". وسمعت شتائم لم أسمعها طيلة حياتي من بشر. ثم تناول خيزرانة وأخذ يضربني بها على مختلف أنحاء جسدي. وهشام يشاركه الضرب بكابل نحاسي . لقد فقد صوابه، وتكسرت عصاه، فتناول الكابل من يد هشام وأخذ يتابع ضربي بشكل هستيري . لم أعد أشعر . غبت عن الوعي تماماً . بعد مضيّ ساعات وجدت نفسي في مشفى لا أعرفه ، علمت فيما بعد أنه مشفى المزة ، حيث قضيت سبعة أيام ، أعدت بعدها إلى فرع تحقيق المنطقة، حيث قضينا خمسة عشر يوماً ملقيين على أرضية غرفة تقع تحت الأرض. خمسة وخمسون رجلاً في أربعة أمتار مربعة لا نعرف ليلاً من نهار، عيوننا معصوبة في الليل والنهار وأيدينا مكبلة بالأصفاد طيلة أربعة وعشرين ساعة، والسجان مقيم معنا في الغرفة. كل عدة ساعات يغيرون السجان الذي يحمل في يده كابلاً نحاسياً لمعاقبة كل من يحاول الكلام مع جاره. العقوبة ضربات وركلات وشتائم لكل من يهفو بحرف إلى جاره الذي يلتصق جسده بجسده، أو يحاول التخفيف من أثر العصابة التي على عينيه بأن يحك عينه من فوق العصابة الجلدية الضاغطة على العينين.
أنا شخصياً كنت في شبه حالة انفصال عما يحدث، لأني أعاني من آلام حادة في كافة أنحاء جسدي لم أكن أستطيع الوقوف أو المشي دون مساعدة أحد للسير عدة أمتار خارج الغرفة لقضاء حاجتي في التبول . أما التغوط فلم يحدث، فقد أصبت بإمساك حاد، طيلة أسبوعين لم أستطع التغوط مما أدى إلى إصابتي بتشققات شرجية توسعت مع سني السجن الطويلة الخمسة عشر، وعانيت بسببها آلاماً مبرحة. اكتشفت بعد استعادتي لوعيي بالتدرج أني مصاب بشلل نسبي في يدي، فأنا لا أستطيع حمل السندويشة بأصابعي، بل بجماع كفي وكذلك كأس الماء (...) وها أنا أكتشف بعد أربعين يوماً من إطلاق سراحي أني مصاب باللوكيميا، ابيضاض الدم. رغم أني غادرت السجن إلا أنه لم يغادرني. فآثار آلامه تغلغلت في دمي، لكن روحي ما زالت تهفو إلى الحرية والكرامة والعدالة"... أنت في السجن تفقد خصوصيتك، فرديتك تضمحل.. تصبح نهباً للتوتر وعصبياً، ليس من لوائح نظامية دائمة تحدد حقوقك وواجباتك، بل خاضع خضوعا مطلقاً لمزاج وأهواء ليس مدير السجن وحسب، بل لمزاج أصغر عنصر أمن من حراس جناحنا أو قسمنا في مختلف السجون التي تنقلنا فيها. معظم ضباط الأمن كانوا يقولون لنا وبالحرف الواحد حقوق، عن أية حقوق تتحدثون؟ (بسخرية وهزء) ليس لكم حقوق رغبتنا فقط وما نريده نحن هو الحق الوحيد.. حتى أن أحد الزملاء اغتاظ يوماً وقال: إذا كان لا يوجد لنا حقوق، لماذا تكون علينا واجبات، لماذا القوانين السورية؟ حتى قوانين وأنظمة السجون تتكلم عن حقوق السجين، أنتم لا تتقيدون بشيء. صرخ الضابط في وجهه وكان برتبة مقدم: هذا القانون الذي تتحدث عنه في قفاي وحذائي.
معظم عناصر أجهزة الأمن وضباطه من الريف، ومن النادر أن تجد عنصراً أو ضابطاً من المدينة، أية مدينة في البلاد.. وريف البلاد عاش فترة لا بأس بها شبه معزول عن المدينة. غير أن التعبئة المنظمة من قبل مسؤولي الجهاز الأمني للعناصر كانت تجعلهم في بعض الأحيان شرسين جداً ولؤماء في التعامل معنا كسجناء سياسيين. وبعضهم بسبب انتمائهم لمناطق معينة، أو لمذهب معين، والبعض الآخر خوفاً من السلطة والعقاب. كان يفتعل العقاب لسجين ما ليثبت ولاءه للجهاز الذي يعمل فيه.
انتماؤنا السياسي وحده لا يشكل سوى عامل واحد من عوامل الضغط علينا.. المسألة ببساطة خارطة عشوائية من العوامل.. تلك كانت مشكلة حقيقية عانينا منها أن نكون بشراً مباحين للشتم وكذلك الإهانة والضرب في كل لحظة ولأتفه الأسباب. وكما قلت استمر ذلك حتى عام 1989 حين تم تغيير مسؤول سجننا.
المرعب والشيء الذي يضغط على أعصابك ويجعل كل حواسك ومخاوفك وهواجسك المتبقية والمترسبة في أعماقك تستيقظ مجدداً، حتى أنك تلهث أحياناً لدرجة الشعور بالاختناق وتشعر بالغيط والقهر عندما تتناهى إلى مسامعنا خاصة في ساعات الليل أصوات التعذيب في غرفة التحقيق، وأصوات العصي والكابلات وهي ترتطم باللحم الآدمي.. تتلوها صرخات وحشية.. شيء ما يتحطم داخلك.. أحيانا كثيرة كنت لا أستطيع احتمال وتيرة الصوت المشحون بالألم والعذاب، فأرتجف وتنهمر دموعي قهراً وذلاً.. مع أن الأمر كان يتم بشكل أسبوعي أكثر من مرة، وكان أكثر ما يشق علي أن تكون المعذبة امرأة.
اعترضنا في إحدى المرات أمام ضابط مناوب على تعريضنا مرة أخرى ولفترة طويلة لمشاعر قاسية وعلى تعذيب الآخرين.. استغرب طلبنا واعتراضنا وقال "تفضلوا امسكوا البلد عنا وقولوا لنا شو لازم نعمل ولك شو نحنا بالسويد ولا بسويسرا؟!" ولن أقول أكثر من ذلك..
كنا نقضي كل يوم في الغرفة اثنتين وعشرون ساعة وثلث، وعند النوم تكون حصة الواحد ما عرضه 30 سم فقط، ضاق بنا الأمر وكثرت الضغوط علينا وكلما كبرت الضغوط يسود التوتر بيننا وتنشب الخلافات بين السجناء. إن قدرة الناس على الاحتمال مختلفة ومخاوفهم مختلفة وشروطهم مختلفة، لذلك تولد ضغوط السجن الطويل أحياناً ظواهر مدمرة مثل هوس الريبة والشك، وحدثت حالات كثيرة من انفصام الشخصية. كما تولد أمراضاً بسيطة قابلة للعلاج مع الزمن مثل تركيز سجين لوساوسه ومشاعره المكبوتة ومخاوفه على شخص آخر، غالباً ما يكون أحد زملائه في غرفته، ونادراً ما يكون أحد السجانين. فيبدأ الإحساس بمشاعر الكراهية نحوه وبانتقاده سراً وعلناً وتحميله كل الرذائل والآفات الممكنة.. هذه الحالة كانت تتولد بين الحين والآخر بين عدد لا بأس به من السجناء، وأعتقد بأنها نوع من التفريغ لطاقة العدوان المتولدة من القهر والكبت.
المثل يقول عندنا الذي لم يذق المغراية لا يعرف الحكاية.. عندما يسحق الإنسان إلى درجة حرمانه من أشيائه الصغيرة والعادية في حياته اليومية، عندما يوضع في أمكنة لا تنتمي إليها روح الإنسان ويجرد من كل شيء حتى اسمه ويتحول إلى مجرد رقم.. أخذنا نكتشف بالتدريج أن إدارة الجناح تعتمد أن تمارس ضغوطاً متتالية نفسية علينا بافتعال حراس السجن للمشكلات معنا بين الفترة والأخرى من أجل إيقاع العقاب بالزملاء لأتفه الأسباب.. ولسبب تافه جداً حصل ذات يوم أن رفض أحدنا إخراج قمامة الإدارة والسجانين إلى مكان التجميع. فما كان من عناصر حراسة إلا أن انهالوا بالضرب عليه وأخذوا يصفعونه ويلكمونه ويركلونه في رأسه ووجهه وكافة أنحاء جسده: ما بدك تخدمنا يا ابن (الشرموطة)، ولك بدك تخدم حذائنا وتلمعه بوجهك، وأجبره على الجلوس في دولاب السيارة المطاطي وأخذ يضربه بوحشية على قدميه العاريتين بكابل من النحاس ويركله ويشتمه ويصفعه في مختلف أنحاء جسده، ويأمره بمسح طاولة مكتبه من الغبار. رفض زميلنا رفضاً قاطعاً وأصر على رفضه: "أنا لست خادماً لكم ولا يمكن أن أجبر على القيام بعمل لا أرتضيه"، فدفع ثمن عناده أسبوعاً من التعذيب اليومي لمدة ساعتين كل يوم.. رفس ولكم وركل وصفع وضرب بالعصي والكابلات النحاسية بالإضافة إلى بلّ جسمه بالمياه قبل الضرب وأثناءه وسكب الماء البارد عليه لفترات طويلة دون أن يفوزوا بمرادهم. إنه الزميل الذي لا زال الآن في السجن محيي الدين..
ساد الجناح وجوم وحزن شديدين لسماعنا أصوات التعذيب وآلام زميلنا.. كان يستنجد بنا، لكننا تأخرنا في نجدته لأن معظم السجناء كان يعيش تحت كابوس انتقام الإدارة منا،، ونقلنا إلى سجن تدمر الرهيب. ولأن ذكرى مذبحة سجن تدمر التي وقعت في صيف عام 1980 وأسفرت عن قتل أكثر من ألف سجين اعزل، تعيش وربما حتى اللحظة في ذهن كل سجين. وكثيراً ما كان ضباط الأمن يلجأون إلى هذا التهديد: سننقلكم إلى سجن تدمر، كلما شعروا بأننا نسعى للمطالبة بتحسين شروط وجودنا واستعادة جزء بسيط من حقوقنا كبشر.
لا يمكنني في هذه العجالة أن أتحدث عن شروط الوجود في سجن تدمر، فقد كتب آخرون عن الموضوع، وسمعت عدداً هائلاً من الأمور الغريبة، التي كان عقلي ووجداني يرفضان تصديقها حتى بعد مروري لسنوات بتجارب مريرة في السجن.. لأنها ببساطة أشياء مذهلة لا تصدق.. فهل يمكن أن يتحول الناس إلى مجرد موضوعات تمارس عليهم أشد أساليب التعذيب الجسدي والمعنوي والتجويع وقتل عدة أشخاص يومياً بشكل عبثي دون أي سبب مباشر؟ هذا ما كان يحصل في تدمر. ما رواه لنا عشرات بل مئات الأشخاص الذين عادوا من هناك بعد عام 1985 بالتدريج.
كانت لدى معظم السجناء صورة واضحة عن ذلك السجن، لذا كان يكفي ذكر اسمه من قبل ضابط الأمن ليشكل ضغطاً نفسياً هائلاً ورادعاً مخيفاً. العديد من الزملاء الذين تعرضوا للضغط والضرب والإذلال والشتيمة خلال فترة السجن كانوا يصابون بأعراض كابوسية أثناء نومهم، وبعضهم كان يستيقظ هلعاً وهو يصرخ وينفجر بالبكاء وتستولي عليه نوبة من الهستريا لعدة دقائق فيصاب بتشنج وتصلب في جسده، ويبدأ جسده بالاهتزاز كأنما تياراً كهربائياً قوياً يسري فيه، حدثت هذه الحالة لعدد لا بأس به من الزملاء.. بعضهم أصيب بأمراض نفسية حادة كالزميل والأخ مصطفى الحسين، ورغم قرار لجنة طبية مدنية لم يفرج عنه.
بين الفترة والأخرى كانت تحدث هذه الانهيارات العصبية ونوبات الهستيريا المؤقتة.. أما الكوابيس الليلة اليومية فكانت تلازم بعض الأفراد، والبعض الآخر بشكل متناوب.. إنه الحصر.. إنه الرعب والهلع من أن تقضي بقية حياتك في السجن وبأن السلطة كلية القدرة وتفعل ما يحلو لها. ولكن كيف يمكن لروح الإنسان أن تتحمل كل هذه العذابات دون أن تئن أو تختلج شاكية؟
في عام 1986 - 1987 تعرضنا لخفض كبير في مخصصاتنا الغذائية، ثلاث وجبات شحيحة. لا يمكنك أن تتخيل أن إفطارك هو 50 غراماً مربى وبيضة أو عدة حبات زيتون فقط. الغذاء يفتقد إلى النظافة وافتقدنا اللحم. ربما قد تبلغ حصة الفرد في ثلاث وجبات وفي الأسبوع 60 غراماً، وعلى العشاء حبتي بطاطا مسلوقة، أو بيضة أو 50 غراماً حلاوة، أو عدة حبات من الحمص أو الفول، ونحصل على ثلاثة أرغفة من الخبز يومياً وزنها الإجمالي لا يتعدى 350 - 400 غرام. هذا الوضع الذي استمر عامين أدى إلى انهيار مناعة أجسادنا، فتفشت مختلف أنواع الالتهابات في السجن. فأكدنا عدة مرات على المطالبة بالسماح لنا بشراء الأطعمة من خارج السجن وأن يسمح لأهلنا بإحضار بعض المواد الغذائية.. لم تتم الاستجابة الكاملة حتى أواخر 1987.. وبعد تدهور الوضع الصحي إلى حد كبير لمرضى الجهاز الهضمي الذي لا يتوافق نوع الغذاء المقدم في السجن مع حالاتهم الصحية..
في عدة مرات ولكسر معنوياتنا وممارسة ضغوط علينا يحضر ضابط أو اكثر من الفرع الإداري ليطرح علينا إمكانية إطلاق سراحنا شريطة أن نقدم بياناً بالانسحاب من الحزب والتخلي عن ممارسة أي نشاط سياسي، وإعلان القبول بالتعاون مع الأجهزة الأمنية ووضع أنفسنا تحت خدمتها. البعض يرفض وآخرون يستجيبون..
لا يمكن أن أنسى من ماتوا معنا في السجن قهراً.. أو نتيجة للتعذيب الذي تعرضوا له. الأخ عبد الرزاق أبازيد نتيجة إصابته بالتهاب رئوي حاد إثر تعرضه في فترة التحقيق للضرب الشديد وتعريضه للماء البارد جداً، بأن يوضع في بركة من الماء شبه المثلج ثم يوضع في زنزانة دون أغطية ولعدة أيام، قضى نحبه بعد شهرين أو ثلاثة. الشيخ أبو سليم المصري، قضى نحبه بعد قضائه سبع سنوات في السجن وهو رجل طاعن في السن تجاوز السابعة والستين من العمر. تهمته الوحيدة هو وأولاده الاثنين وأخيه وأزواج بناته الاثنين وابن أخيه أنهم من عائلة المصري، ووهم موقفون كرهائن حتى يسلم ابن الشيخ المطارد والمطلوب للأجهزة الأمنية نفسه. توفي الشيخ بصمت وجلال إثر نوبة قلبية تعرض لها بعد منتصف ليل أحد أيام 1990.
عبد المجيد أبو شالة مهندس كهرباء، حلبي اعتقل عام 1980 إثر بيان النقابات المهنية، أصيب بسرطان الأمعاء عام 1989 وقضى نحبه. بعد أن تأكدوا من إصابته بالمرض وأن لا أمل من شفائه أفرجوا عنه، لكنه توفي بعد شهرين من خروجه من السجن.
وأخ لنا، قيادي في التنظيم الشعبي الناصري أحمد رجب ، والذي توفي إثر نوبة قلبية أصيب بها بسبب الإجهاد الذي تعرض له بنقله من سجن ادلب إلى فرع تحقيق الأمن في دمشق، حيث قضى عدة ساعات وهو يأمل بإطلاق سراحه، بعد أن أفرج عن زملاء له في دمشق وحلب وإدلب. وكانت المفاجآت إخبار العقيد له بأنه سيتم تحويله إلى محكمة أمن الدولة العليا. وهذا ما كان يخشاه لأنه بذلك سيفقد وظيفته وعمله وهو أب لخمسة أطفال يعانون من الحاجة والحرمان منذ دخوله إلى السجن عام 1986. بعد نقله بساعات إلى سجن عدرا توفي ليلاً . لا تعتمد الأجهزة العربية على ذكاء وتطور ذهني ما في مجال التحقيق ، بل أن وسيلتها الوحيدة هي الإفراط في الوحشية في التعامل مع المعتقلين ، الوحشية اللاإنسانية في تعذيب وانتهاك الجسد الإنساني، ومن المعروف أن أغلب رؤساء هذه الأجهزة العربية تشارك في عمليات التعذيب بشهية كأس الويسكي ، والتي يحلو لها تسميتها بالحفلة.



الإفتباسات التي جاءت على لسان الشهيد رضا حدّاد ، هي بذاتها في غنى عن أيّ تعليق . هي ، مع ذلك ، ليست في ذمّة التاريخ فقط ، وليست جزءاً لا يتجزأ من نضالات أبناء سورية في سبيل الكرامة والحرية والديمقراطية فحسب ؛ بل هي أيضاً وثيقة قانونية سوف لن يطول الوقت حتى تنقلب إلى دليل إدانة ضدّ الجلاّد في محكمة الشعب . ولا يخطئنّ هشام بختيار الظنّ ، هو وأمثاله من الوحوش ومجرمي الحرب ازلام النظام الطائفي : ساعة الحساب آتية لا ريب فيها! رحم الله الشهيد رضا حداد وكل شهداء معتقلي الرأي الذين وافتهم المنية على أيدي جلادين النظام الأسدي الحاقد ، والخزي والعار للنظام الطائفي وجلاوزة النظام الحاقدين ، وأن يوم حسابكم لقريب أن شاء الله .



إعداد وتوثيق اللجنة الاعلامية لتجمع الأحرار الوطني الديمقراطي 5/20/2007
--------------------------------------------------------------------------------

أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

يسعى هذا الموقع إلى نشر مساهمات الكتاب في مختلف المواضيع التي تهم المواطن السوري ويأمل أن يكون جسراً بين الداخل والخارج وأن يساهم في حوار وطني يلتزم باحترام الرأي الآخر ويلتزم القيم الوطنية والديمقراطية وقيم حقوق الإنسان ونتمنى أن يساهم الرفاق والأصدقاء في إغناء هذا الموقع والتواصل معه وشكراً.


المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها فقط


يرجى المراسلة على العنوان التالي

bayad53@gmail.com



Blog-Archiv

منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا