
الأزمة المالية العالمية تخيم على مسيرات عيد العمال العالمي
مسيرات عمالية عارمة تقام سنويا في برلين بمناسبة يوم العمال العالميفيما خيمت الأزمة المالية العالمية على مسيرات عيد العمال هذا العام، طالب أصحاب الأعمال والشركات في ألمانيا النقابات العمالية بالتعقل في رد فعلها إزاء الشطب المحتمل لبعض الوظائف لمواجهة التداعيات السلبية للأزمة المالية.
ألقت الأزمة المالية العالمية بظلالها على التظاهرات العمالية التي شهدتها الشوارع الألمانية بمناسبة حلول عيد العمال العالمي. وكان التراجع الاقتصادي والركود الكبير الذي تشهده السوق الألمانية وراء زيادة عدد الحشود المشاركة في مسيرات هذا العام، حيث رُفعت شعارات اتهمت فيها حكومة الائتلاف الكبير بالفشل في تعاملها مع الأزمة المالية العالمية. في حين ندد متظاهرون آخرون بمواقف مدراء البنوك، المطالبة بامتيازات مالية إضافية. يذكر أنه ومنذ عام 1987 تقام في العاصمة برلين أكبر المسيرات، التي تشهدها ألمانيا بمناسبة عيد العمال الموافق لأول مايو/ أيار بدعوة من النقابات والأحزاب الألمانية المختلفة.
مظاهرات
ومصادماتأحد عناصر الشرطة يقف في برلين أمام حاوية للقمامة أضرم فيها المتضاهرون النيران
وشهدت العاصمة الألمانية برلين مساء أمس الخميس مظاهرات احتجاج بمناسبة عيد العمال. وذكرت مصادر الشرطة أن نحو 200 شخص، من بينهم مجموعة من المخمورين، ألقوا بالحجارة والزجاجات الفارغة على رجال الشرطة مما أسفر عن إصابة 29 شرطيا بجروح طفيفة واعتقال أكثر من عشرة من المتظاهرين بالإضافة إلى إحراق بعض صناديق القمامة. وفي هامبورج شمال البلاد ، حطم متظاهرون زجاج نوافذ أحد البنوك كما أضرموا النار في العديد من صناديق القمامة وألقوا الزجاجات الفارغة على رجال الشرطة مما أسفر عن إصابة ثلاثة منهم بجروح طفيفة.
دعوة إلى التعقل في مواجهة شطب محتمل للوظائف
وبمناسبة الاحتفال بعيد العمال طالب أصحاب الأعمال والشركات في ألمانيا النقابات العمالية بالتعقل في رد فعلها إزاء الشطب المحتمل لبعض الوظائف الذي تلجأ إليه المؤسسات لمواجهة التداعيات السلبية للأزمة المالية. وقال مارتين كانجيزر رئيس رابطة شركات صناعة المعادن لصحيفة "برلينرتسايتونج" الألمانية الصادرة غدا السبت إن الحديث عن الشطب الجماعي للوظائف على أنه "إعلان حرب" يعطي الانطباع أن هذه الإجراءات هي ما تريده الشركات. وتابع كانجيزر أنه على العكس تماما فإن تلك الإجراءات ستظل في الواقع أصعب القرارات على هذه الشركات وأكثرها إيلاما لذلك فإن كانجيزر يرى أن تناول هذه الإجراءات بالطريقة التي أشار إليها يعد بمثابة "عمل غير مسئول ويسهم في سكب المزيد من الزيت على النار". وأضاف كانجيزر أن عدد العمال في قطاع المعادن والالكترونيات لم يتراجع في الوقت الراهن مقارنة بعددهم في نفس الفترة
شتاينماير: "ألمانيا بحاجة إلى نقابات عمالية قوية"
أكد فرانك فالتر شتاينماير وزير الخارجية الألماني في مناسبة عيد العمال حاجة البلاد لنقابات عمالية قوية. وناشد شتاينماير النقابات العمالية في ألمانيا بالتكاتف من أجل ضمان حقوق العمال وقال في خلال مسيرة حاشدة لرابطة نقابات العمال "تضامن الديمقراطية الاجتماعية مع النقابات هو الدرس الذي يجب أن نتعلمه من الأزمة الاقتصادية العالمية". وأضاف شتاينماير أمام نحو 2000 عامل أن ألمانيا بحاجة لنقابات تناضل من أجل كل فرصة عمل في البلاد. يذكر أن شتاينماير هو مرشح الحزب الاشتراكي الديمقراطي للمنافسة على منصب المستشار أمام أنجيلا ميركل في الانتخابات العامة خريف العام المقبل.
(و.ب/ رويترز/د ب أ)
تحرير: طارق أنكاي
----------------------------------------------------------
بيان من
الأمانة المؤقتة لإعلان دمشق في الخارج إلى العمال في يوم عيدهمياجماهير العمال في وطننا الكبير، كل عام وأنتم بخير. ها هوعيدنا يطل من جديد وحالنا ينتقل من سيئ إلى أسوأ. فخلال العقود الأربعة تحول النظام في سورية عن مصالح الطبقة العاملة التي يدعي افتراءا تمثيلها. فقام باحتكار العمل النقابي وحول النقابات والإتحادات العمالية إلى مؤسسات إعلامية ملحقة به؛ فعوضا عن النضال من أجل تأمين حقوق العمال و تحقيق مطالبهم المشروعة أصبحت هذه النقابات والإتحادات أبواقا تردد كل ما يريده النظام، وعوضا عن أن يتقدم العمل النقابي وتصبح النقابات منبرا للنقاش الوطني الحقيقي والمرجعية الأولى لنقاش المسائل الوطنية التي تتعلق بمصالح الطبقة العاملة أصبحت أداة للسيطرة والتحكم بالطبقة العاملة. فأفرغت النقابات واتحادات العمال من مضمونها، وباتت أداة بيد أزلام السلطة والأغنياء الجدد الذين بنوا ثرواتهم على أكتاف مواطنينا. فبات أدعياء الدفاع عن الطبقة الكادحة بالأمس وسيلة قمع هذه الطبقة اليوم وزيادة بؤسها.
لقد وصلت الحالة إلى درجة أن العامل في القطر لا يستطيع أن يكتف من راتب عمل واحد شريف. ومع ارتفاعات الأسعار المتزايدة بجنون باتت كل الزيادات المزعومة في راتبه لا تمكنه من مواكبة غلاء الأسعار الفاحش لأبسط الحاجات الأساسية. ومع كل يوم يمر يزداد حالنا بؤسا ويزداد الأغنياء الجدد من أزلام النظام ومؤيديه ثراءاً. فهذه الطبقة الجديدة من الأثرياء الذين ارتبطت مصالحهم بمصالح النظام لا يحسنون من الإنتاج إلا ما هو معتمد على عطاء الدولة وإنفاقها، فثراؤهم نابع من قدرتهم على إحتكار النشاطات الإقتصادية التي تضمنها علاقتهم بالسلطة. فقامت هذه الطبقة الجديدة بتراكم الثروة بأيديها واحتكارها وهاهي تهرب بأموالها المسروقة خارج البلاد مع أول ملامح الأزمة. وباسم الخصخصة تم بيعنا مع القطاع العام إلى هؤلاء الأثرياء الجد، فننتقل من العبودية للسلطة إلى العبودية لأزلامها اصحاب الثروات المجموعة بالرشوة والتسلط.
إننا لا نتكلم من فراغ فكل عامل منا أعلم بالأوضاع التي وصلنا إليها. فهل تكفي رواتبنا لسد رمقنا ورمق من نعيل، هل من الطبيعي أن يعمل أحدنا إثني عشرة ساعة في اليوم ثم لا يجد راتباً يكفيه لسد حاجاته الأساسية. ثم ها هو النظام يتكلم عن التحول إلى "اقتصاد السوق الإجتماعي" ويدعي مقارنتها بالوضع في أوربا وأن الغلاء والأزمة الإقتصادية التي نمر بها سببها الأزمة العالمية. فهل نستطيع أن نقارن وضع الطبقة العاملة في سورية بأسوأ أحوال دول اقتصاد السوق، ففي حين يعتبر عدد ساعات العمل الأسبوعي في وطننا ستون ساعة لا يتجاوز عدد ساعات العمل في هذه الإقتصاديات خمس وثلاثون ساعة في الأسبوع. نعم هناك أزمة اقتصادية عالمية ولكن ما يتعامى النظام عنه بأنه رغم الأزمة في دول اقتصاد السوق الإجتماعية لم تنقص من انجازات الطبقة العاملة في هذه الدول شيئا، فهل تؤمن الدولة لمن يُسرّح من عمله تكاليف حياته ريثما يتمكن من عمل جديد وهل يتمتع عمالنا بالتأمين الصحي الذي يغنيها عن استجداء ثمن العناية الطبية والدواء وهذه غيض من فيض. فهل يؤمن دخل العامل مسكنا ومعيشة كريمة له ولأهله.
ياجماهيرنا العاملة:
لقد باتت النقابات وسيلة من وسائل الإثراء وتجميع الثروات على حسابنا. فمتى سمعنا بآخر مرة حققت هذه النقابات أو الإتحادات تحسنا في حياة عمالنا؛ حتى زيادة رواتبنا لم تكن مقررة من قبل هذه النقابات، فهذه الزيادات الهزيلة يرميها لنا النظام ليُسكت غضبنا دون أن تسد رمقنا. لقد قرر النظام الإنتقال إلى ا"إقتصاد السوق الإجتماعية" فهل سأل النقابات عن رأيها؟ وهل شرحت هذه النقابات عواقب هذا التحول على طبقتنا الكادحة؟ وهل وضعت الشروط والظروف المناسبة التي تضمن حقوق العمال خلال هذه النقلة؟ وأين دور ممثليها بهذا القرار؟ إننا نؤمن أن التغيير ضروري، ولكن هذا التغيير حق أريد به باطل، هدفه نقل القطاع العام لملكية أصحاب رأس المال، ولا نقول لكل أصحاب رأس المال بل هو نقل للقطاع العام لملكية أثرياء النظام الجدد. سنوات مرت على هذا القرار وحال طبقتنا العاملة ينتقل من سيئ إلى أسوأ. ونقاباتنا العمالية واتحاداتنا غارقة في سباتها العميق.
لذلك وفي يوم عيدنا هذا نجدد العهد على المضي قدما في سبيل إعادة الدور الطليعي والرائد للنقابات العمالية لتتحرر من سطوة السلطة والحزب الحاكم وتعود لتكون منبرا رئيسا في الدفاع عن مصالحنا. ونعاهد جماهيرنا على الجهاد من أجل إقامة نظام ديمقراطي عادل يعيد للعامل حريته ويحفظ له حقوقه.
وفي يوم عيدنا نناشد كل شريف في القطر للعمل الحثيث على أعادة بناء الهياكل النقابية الحرة؛ فواجبنا جميعا النضال من أجل عمل نقابي حر يتبع المبادئ الديمقراطية في تمثيل جماهيرنا العمالية تمثيلا حقيقيا بعيدا عن تسلط الدولة والحزب ويتحمل مسؤولياته تجاه طبقتنا العاملة.
عاش عمالنا الشرفاء وعاش أرباب العمل الشرفاء، كل يعمل يدا بيد لبناء سورية أفضل.
الأمانة المؤقتة لإعلان دمشق في الخارج
الأول من أيار 2009
-------------------------------------------------------------
الصراع على الخليج و"اسمه"
01 -
05 - 2009كتب: عريب الرنتاوي
ما الاسم الذي ينبغي أن نطلقه على الخليج الفاصل بين العرب والإيرانيين، ليكون مرضيا للجميع، وتكون معه مياه الخليج الدافئة، جسر تواصل اتصال بين الأمتين، لا سببا في القطع والقطعية بينهما؟.
إيران تصر على تسمية الخليج بـ"الفارسي"، وتعتبر أي اسم آخر "مؤامرة خارجية" وفقا لتعبير علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الأعلى، والعرب يصرون على تسميته بـ"الخليج العربي" ويعتبرون الإصرار على التسمية الفارسية، هو من قبيل الغطرسة والنزوع للهيمنة المميزان لسلوك إيران حيال العرب، زمن الشاه وفي عصر الثورة الإسلامية على حد سواء.
إيران تعتقد أنها محقة في تسميتها للخليج باسم القومية الأكبر التي تتكون منها (فارس)، وتستند إلى مرجعيات تاريخية طالما أطلقت على هذا المسطح المائي اسم الخليج الفارسي، من الاسكندر المقدوني وصولا إلى أدبيات الأمم المتحدة الناطقة بالانجليزية التي تعتمد التسمية الإيرانية، ثم أن إيران تعتقد أن الضفة الغربية من الخليج، تبعت تاريخيا الامبراطورية الفارسية، وأن لها "حق" يصدر أحيانا من أفواه القادة الإيرانيين، زمن الشاه المخلوع واليوم، باستعادة سيطرتها وبسط سيادتها عليها.
في المقابل، يعتقد العرب أن "اسم الخليج العربي" ليس طارئا على هذا المسطح المائي، وأن استخدامه لم يبدأ مع جمال عبد الناصر، بل هو اسم قديم، استخدمه الرومان، وظل متوارثا حتى اليوم، ثم أن الأمم المتحدة في وثائقها الناطقة بالعربية تستخدم مسمى الخليج العربي، ويضيفون بأن العرب سكنوا على ضفتي الخليج، حتى أن الشطر الإيراني منه، ما زال مسكونا حتى يومنا الحاضر بقبائل عربية أحوازية، ويستطردون بأن إيران تطل على ثلث الخليج فقط، بينما يطل العرب على ثلثي شواطئه.
مثل هذا الجدل التاريخي/الحقوقي لم يعد مهما، ولا ينبغي أن يكون كذلك، فالعرب، باستثناء بعض المتطرفين قوميا، ليست لديهم مطامح في تحرير الأحواز وعربستان بقبائلها العربية، وإيران باستثناء بعض غلاتها المتطرفين، لم تعد لها أطماع واقعية في ضم الضفة الأخرى من الخليج إلى سيادتها وولايتها، وسنظل نعيش على ضفتي هذا المسطح المائي، عربا وفرسا إلى أبد الآبدين، ومن الأفضل لنا أن نتفق على تسمية، أو نقبل بالتسميتين معا كما تفعل الأمم المتحدة، (بالمناسبة، سبق لأسامة ابن لادن أن اقترح تسميته بالخليج الإسلامي، لكن الإيرانيين رفضوا ذلك جملة وتفصيلا).
"القومية الفارسية المتشددة" تطل برأسها من تحت عباءات رجال الدين وعمائهم عندما يتعلق الأمر بهذه المنطقة، تماما مثلما "يتنمر" بعض العرب عند الحديث عن عروبة الخليج، خصوصا أولئك الذين يدفعون لكي تصبح إيران، وليس إسرائيل، العدو رقم واحد للأمة العربية، ضاربين صفحا على سبيل المثال، عن إقليم الاسكندرون الذي ترفض تركيا تسميته بهذا الاسم منذ أن تحوّل إلى محافظة هاتاي، الذي تصل مساحته إلى ما يقرب من مساحة الدولة الفلسطينية العتيدة، ويقطن فيه ما يزيد عن مليون عربي سوري، أصبحوا الآن جزءا من تركيا.
مع أن الغيرة القومية، يجب أن تدفع بهؤلاء "القوميين الجدد" خصوصا المنتمين منهم إلى "عرب الاعتدال" إلى رفع الصوت عاليا ضد "تتريك" الاسكندرون "وأسبنة" مدينتي سبتة ومليلية في المغرب، ناهيك بالطبع عن الحاجة لاستحضار العروبة في وجه "دولة جميع أبنائها اليهود"، وعدم الاكتفاء بتهييج المشاعر القومية فقط عندما يتعلق الأمر بإيران، لكأن العروبة الوحيدة المراد إحياؤها، هي العروبة المناهضة لإيران، والمتخففة من أوزار الصراع العربي الإسرائيلي وأدرانه، أو "العروبة المنفتحة" وفقا لأدبيات تيار المستقبل اللبناني.
من المؤسف أن يتحول الاسم الذي يتعين إطلاقه على الخليج إلى سبب لأزمات متكررة بين العرب والإيرانيين، يحول أحيانا دون عقد مؤتمرات أو إتمام مباريات وتصفيات أو إطلاق بطولات، وأحسب أن الجانبين مطالبان بقبول التسميتين معا، على طريقة الأمم المتحدة، فيكفينا ما نواجه من أزمات متفجرة وخطوط تمارس عالية التوتر، تحول دون تطبيع العلاقات العربية الإيرانية.
---------------------------------------------------------------
العنف الأسود إذ يضرب مجددا في العراق
02 - 05 - 2009
كتب: عريب الرنتاوي
يشهد العراق تصعيدا خطيرا في العمليات الإرهابية، أعاد أرقام الضحايا إلى معدلاتها المروّعة القديمة، في وقت تستعد فيه القوات الأمريكية لإتمام انسحابها من العراق، بدءا من إعادة الانتشار من المدن الكبرى، وتعلن فيه بريطانيا نهاية العلميات الحربية لما تبقى من قواتها العاملة في العراق، التي تغادر تباعا عائدة إلى ديارها، بعد سنوات أربع من زرع الفشل وقبض الريح.
من حيث الأهداف، تبدو معظم العمليات الإرهابية الأخيرة، موجّهة ضد العراقيين الشيعة، ومن حيث الوسيلة / التكنيك، فإن معظم العمليات يتم تنفيذها بواسطة انتحاريين، جعلوا من أجسادهم أو سياراتهم، قنابل تزرع الموت والذعر في كل مكان، وهو اسلوب انفرد به تنظيم القاعدة والفصائل المتفرعة عنه والمستلهمة لأساليبه وتكتيكاته.
السلطات العراقية الرسمية، ومعها المصادر الأمريكية، تتحدث عن جهات ثلاث مسؤولة عن عمليات التفجير والقتل الأعمى: القاعدة، البعث والسجناء المفرج عنهم مؤخرا من السجون العراقية / الأمريكية، وهي تفترض أن سبب هذه الموجة من التصعيد، يعود لسعي هذه الأطراف لـ"التذكير بوجودها"، خصوصا مع قرب رحيل القوات الأمريكية – البريطانية عن البلاد.
في المقابل، تقول مصادر مقربة من "المقاومة العراقية"، في شقيها البعثي والإسلامي، أن هدف هذه الموجة هو تقويض "حكومة بريمر العميلة" والتهيئة لإسقاط "مخرجات" العملية السياسية الاحتلالية، وبسط "سيادة المقاومة" على العراق، بعد جلاء المحتلين عنه.
المتتبع للمشهد العراقي في لحظته الراهنة، لا بد يلاحظ:
(1) أن بصمات القاعدة واضحة كل الوضوح في الموجة الأخيرة من العمليات العنفية، والقاعدة صاحبة مصلحة في تصعيد العنف المذهبي وتقويض الوئام الوطني والإطاحة بالعملية السياسية، وهي أكثر من غيرها (حتى لا نقول وحدها) قادرة على تجنيد كل هذا الحشد من الانتحاريين...
(2) أن للبعث مصلحة أيضا في إظهار عجز النظام العراقي عن حفظ الأمن وبسط الاستقرار في "عراق ما بعد الاحتلال"، وهو الهدف الذي يخدم مساعيه الرامية لفتح قنوات تفاوض وحوار مع الولايات المتحدة، باعتباره الأقدر على "توفير البضاعة المطلوبة" من الأحزاب الحاكمة في العراق اليوم، وثمة معلومات عدة تقول أن قيادات بعثية و"مقاومة" بعثت برسائل مباشرة وغير مباشرة لواشنطن وأصدقائها، تطلب "الوكالة الحصرية" على العراق، مقابل حفظ المصالح وبسط الأمن ووقف المد الإيراني واستئصال التيار السلفي – الوهابي.
(3) لكن الملاحظة الأهم، أن هذه العمليات التي تأخذ شكلا طابعا مذهبيا، لم تنجح حتى الآن في استعادة مناخات الاحتقان الطائفي، ولم تفض إلى عودة مظاهر "القتل المذهبي الأعمى – على الهوية" التي انتشرت في العراق بعد ضرب مراقد سامراء، مع أن منفذي هذه العمليات يتوخون استهداف رموز مذهبية شيعية كمرقد الإمام موسى الكاظم ذات حساسية خاصة، الأمر الذي يدلل على تنامي الوعي الوطني العراقي، وانكشاف أهداف المخططات الإجرامية الرامية جر البلاد إلى الفوضى الشاملة والعنف المذهبي المفضيان إلى تآكل الدولة ومفاقمة خطر الانقسام والتقسيم...(4) الوضع الأمني في العراق ما زال هشا، والألغام المبثوثة على طريق استعادة وحدة العراق وامنه واستقراره، ما زالت بحاجة لمن ينزع صواعق تفجيرها، وتنامي الوعي الوطني العراقي، لا يعني تلاشي خطر الانقسام المذهبي، الأمر الذي يملي على الطبقة السياسية العراقية، ودول الجوار ذات الصلة، دورا أكبر في التصدي لهذه الموجة المجنونة من العنف الأعمى، ليتمكن العراق من الانتقال إلى ضفاف الأمن والأمان.
----------------------------------------------------------
حضور عربي متواضع في معرض هانوفر الصناعي الدولي 2009

يعد معرض هانوفر الصناعي منبرا لعرض أحدث المبتكرات في مجال الصناعة الواسعيسود جو من التفاؤل معرض هانوفر الصناعي الدولي رغم الأزمة الاقتصادية العالمية، وبينما لم يقل عدد العارضين من أنحاء العالم سوى بقدر طفيف، جاء التواجد العربي ضعيفاً تمثل في مشاركة ثلاث دول عربية فقط.
الزائر إلى معرض هانوفر الصناعي الدولي الذي افتتح أمس الاثنين 20 أبريل/نيسان سيلمس جوا من التفاؤل، عبرت عنه كلمات المستشارة الألمانية ميركل خلال جولتها الافتتاحية في أكبر معرض صناعي في العالم حيث قالت إن الشركات تسعى بشدة للخروج من الأزمة، مؤكدة أن الاختراعات تلعب دوراً أساسياً في تأمين الرخاء لألمانيا.
ويبدو بالفعل أن الشركات تسعى من خلال مشاركتها إلى إيجاد حلول جديدة وفتح أسواق جديدة للخروج من الأزمة، حيث يشارك في معرض هذا العام أكثر من 6000 عارض من 61 دولة، أي أن عدد الشركات العارضة لم يتأثر تقريباً بالأزمة الاقتصادية.
"حضور المعرض يتيح فرصة للتعرف على متطلبات السوق"
سيف الدين عادل خيري يرى في المعرض فرصة للخروج من الأزماتومن بين تلك الدول المشاركة، ليست هناك سوى ثلاث دول عربية ممثلة في المعرض وهي دولة الإمارات العربية المتحدة ومصر ولبنان. ففي جناح موحد ينظمه جمعية المصدرين المصريين، اكسبو لينك - وهي جمعية غير ربحية تتبع جهاز التدريب ومركز تنمية الصناعات المصرية- تشارك ثماني شركات مصرية في مجالات الصناعات المختلفة مثل صناعة أدوات الإضاءة والكابلات والأنظمة الصناعية.
وتتكفل جمعية اكسبو لينك بنحو 85 بالمائة من مصاريف العرض للشركات، وهو ما شجع بعض الشركات على التواجد مثلما يؤكد سيف الدين عادل خيري، الذي يشارك هذا العام لأول مرة كعارض، بعد أن كان يكتفي بزيارة المعرض للتعرف على الشركات العارضة. ويرى خيري أن التواجد في المعرض يتعدى كونه فرصة لعقد الصفقات، إذ أنه يجد فيه فرصة متاحة لمعرفة متطلبات السوق الأوروبية واتجاهات الصناعة مما يتيح له الفرصة لتحديث منتجاته لتتناسب والمتطلبات الحديثة لكنه في الوقت نفسه أعرب عن إحباطه من عدد الزائرين، في أول أيام المعرض، إذ كان ينتظر أن يجد اهتماماً أكبر من قبل الزوار، مشيراً إلى أن حضور المعرض من قبل الشركات المتضررة من الأزمة الاقتصادية، قد يساعدها لإيجاد حلول للخروج من تلك الأزمة.
فرصة للتواجد على الساحة الدولية
ويعد فتح أسواق جديدة هو الأمل بالنسبة للكثير من الشركات التي تكلفت مشقة الحضور. المهندس فاهي أغا سركسيان، ممثل الشركة اللبنانية الوحيدة الحاضرة والتي تشارك هذا العام لأول مرة، أراد أيضاً أن ينتهز الفرصة لمقابلة عملائه من مختلف الدول الأوروبية، حيث يؤكد أن ما شجعه على المشاركة في هذا العام هو رغبته في مقابلة عملائه من مختلف الدول الأوروبية، بالإضافة إلى حجم معرض هانوفر الصناعي على المستوى الدولي. وبالطبع، يريد سركسيان أيضاً أن تتاح له الفرصة للتعرف على عملاء جدد إن أمكن. فالتواجد الدولي للشركات الصناعية في المعرض، سواء كعارضين أو زائرين، يتيح الفرصة لإجراء صفقات على المستوى الدولي وليس الأوروبي فقط.
وهذا التواجد الدولي للشركات من مختلف أنحاء العالم، هو الذي يشجع الكثير من الشركات للحضور للترويج لمنتجاتها بشكل أوسع. وهو الأمر الذي دفع أيضاً إمارة أبو ظبي إلى المشاركة في جناح موحد للترويج للإمارة ولما يحدث فيها من تطور في مجال الاستثمارات الصناعية، كما يؤكد سيف محمد الموسى، منسق العلاقات الدولية من دائرة التنمية الاقتصادية. ويضيف في هذا الإطار: "هذه هي مشاركتنا الثانية في المعرض، ونجاحنا في العام الماضي هو الذي شجعنا على الحضور هذا العام". وبالإضافة لإمارة أبوظبي التي شاركت بثماني عارضين، كانت هناك شركة عارضة من رأس الخيمة وأخرى من دبي.
مصر تسعى إلى التواجد على خارطة البحث والتطوير العالمية
وبينما تركز التواجد العربي في مجالات التوزيع والتصنيع ، كان هناك عارض واحد في مجال البحث والتطوير، وهو برنامج البحوث والتنمية والابتكار التابع لوزارة التعليم العالم والبحث العلمي بمصر. هذا البرنامج عبارة عن منحة مقدمة من الاتحاد الأوروبي لمصر بقيمة 11 مليون يورو بهدف تنمية البحث العلمي والابتكار، ويمنح للباحثين ورجال الصناعة المصريين. وقد أشارت حنان دويدار، نائبة مدير البرنامج إلى أن تواجدهم في معرض هانوفر الصناعي ضروري جداً، لوضع مصر على الخريطة الدولية للبحث والتطوير، وفتح فرص التعاون الدولي في هذا المجال.
سمر كرم - هانوفر
تحرير: هيثم عبد العظيم
-----------------------------------------------------------------
وهم ضياع الهوية ... أو ثقافة القوقعة !
طارق حجي
2009 / 5 / 3
عندما نخر سوسُ الفشلِ في بنيانِ الهيكل الإشتراكي الذي كان يعرف بالكتلة الشرقية بزعامةِ ما كان يسمى بالإتحاد السوفيتي وهوى الهيكلُ مرةً واحدةً مخلفاً الدنيا من بعد ذلك غير الدنيا قبل " السقوط الكبير " ؛ وجد الناسُ أنفسَهم في عالمٍ جديدٍ . وفي هذا العالم الجديد لم تعد هناك قوتان عظميان ولم يعد هناك منهجان في كل شـئ كما كان الأمرُ من قبل . ومن رحم هذا الواقع الجديد (واقع إنتهاء الحرب الباردة بسببِ موتِ أحد اللاعبين بالسكتةِ المخيةِ المفاجئةِ) بدأنا نسمع عباراتٍ مثل (النظام العالمي الجديد) و (العولمة) إلى جانب مصطلحات أخرى مثل الجات (وإن كان المصطلح في حد ذاته قديماً إلا أن الواقعَ الجديد بعثه بعثاً جديداً) .وخلاصةُ القول ، أن قادةَ العالم الجديد الذين وجدوا أنفسَهم بلا منافسٍ بدأوا محاولة تنظيم العالم وفق قواعدٍ يرونها سليمةً . ومن هذه القواعد ، فتح الأسواق إلى أبعد الحدود أمام السلع والمنتجات والخدمات من أي مكانٍ لأي مكانٍ دون " الحمائية القديمة " التي عاشت في ظلها الدنيا سنواتٍ طويلة . ومع الرغبةِ في الوصول بالمنافسةِ الإقتصادية إلى أبعدِ الحدود وإزالةِ الحواجز بدأ الحديثُ عن (العولمةِ الثقافيةِ) . فكما أن " التعاملات " ستكون بلا حواجزٍ من الناحية الإقتصادية ، فإن الثقافاتِ ستتعامل مع بعضها البعض أيضاً بشكلٍ مفتوحٍ لم يسبق له مثيل (أو هكذا يظن البعضُ) .وعلى الفور وجد من يرى في ذلك كل الخطر على وجودِ مجتمعاته الإقتصادية ،وهو خطر حقيقي لا يمكن إنكاره ولكن (للأسف) لا يمكن أيضاً إلغاؤه وإنما يمكن التعامل معه إما بكفاءةٍ وهو ما يؤدي للنجاحِ أو التعامل معه بكسلٍ (مع الإكتفاء بالشكوى والعويل) وهو ما يؤدي لعواقبٍ وخيمةٍ للغاية . وليس الجانب الإقتصادي من هذا الوضع العالمي الجديد هو ما يهمنا في هذا المقال ، فما أكثر ما كتبنا عنه في غير هذا الموضع . وإنما يهمنا البعد أو الجانب الثقافي لهذا الوضع الذي بدأ يسود أو ينتشر في العالم بأسرهِ منذ بداية عقد التسعينات وهو ما واكب سقوط ونهاية الكتلة الشرقية (الإشتراكية) . ففي واقعنا المصري كثيرون يسيطر عليهم خوف مهول من أثر التعاملات الواسعة مع العالم الخارجي على خصوصياتنا الثقافية والتي في مجملها تتكون " هويتنا". وهذا ما أريد أن أسلط الضوء على جوانبه في هذا المقال :* معالم ومصادر خصوصياتنا الثقافية :من الأمور التي كان ينبغي أن تكون واضحةً وضوح الشمس في كبد السماء في يوم صافي أننا عربٌ (إلي درجةٍ بعيدةٍ ولكن ليس بشكلٍ مطلق) وأننا من أبناءِ شرق البحر المتوسط (لدرجةٍ بعيدةٍ ولكن ليس بشكلٍ مطلق) وأننا جزءٌ من الحضارةِ الإسلاميةِ (لدرجةٍ بعيدةٍ ولكن ليس بشكلٍ مطلق) وأننا إلي جانبِ ذلك قد دخل في تكويننا بشكل لا ينكر (بعدٌ مصري قديم) و (بعدٌ قبطي) … وأن نتاج كل ذلك أن " البعـد العربي " بعـدٌ أصيـل من أبعاد هويتنا ، فأدبنا كله عربي . ولكن الأمر لا يصل إلي أن نكون (عرب فقط) … ولا أدل على ذلك من البون الشاسع بين (المصري) و (القطري) على سبيل المثال . وبالمثل ، فإننا تأثرنا بشدة بموقعنا الجغرافي في شرق البحر المتوسط ، دون أن يؤدي ذلك لأن نكون صورة كربونية من الآخرين الذين يعيشون أيضاً في شرق البحر المتوسط . أما تأثرنا بالحضارةِ الإسلامية فمن العبثِ إنكاره ، ولكن من العبثِ أيضاً القول بأننا – من حيث الهويةِ – مجردُ "مسلمين" ولا شئ آخر . فإن المكون الإسلامي – على أهميته ووضوحه – مجرد بعد أساسي من أبعادٍ أخرى . فالمصـريُ ليس صــورةً من الإيـراني والبــاكستاني لمجرد الإشتراك في البعد الإسلامي . ولا شك أن المكوناتِ الأساسية للشخصيةِ المصريةِ قد تأثرت بمصرَ القديمة (إذ أنه من غير العلمي والمنطقي إنكار أثر ثلاثين قرناً من التاريخ المصري القديم) كما أن هذه المكونات قد تأثرت بالحقبةِ المسيحية ، إذ أنه من المستحيل إنكار أثر ستة أو سبعة قرون من " مصرَ المسيحية " وهكذا ، فإن هويتنا هي " هويةٌ مصريةٌ " تدخل الأبعادُ العربية والبحر متوسطية والإسلامية والمصرية القديمة والمسيحية في صناعةِ وصياغةِ مادتها الأساسية بما يعني الإتفاق (إلي حدٍ ما) مع المشتركين في تلك الأبعاد دون أن نصل لحد (الذوبان) في تيارٍ واحدٍ من هذه التيارات . وليس في ذلك أيُ عيبٍ أو خطأٍ لأن ذلك هو محصولُ وثمرةُ التاريخ والجغرافيا وهو محصول حتمي وثمرة من غير المنطق إنكارها .* الخصوصيات الثقافية أقوى من أن تذروها رياح التعامل مع الآخرين:وإذا كان ذلك كذلك ، فإن " هويتنا " ليست نتاج عوامل مؤقتة أو عابرة أو سطحية ، وإنما هي نتاج جذور طويلة وبعيدة وضاربة في الزمان والمكان . وبالتالي ، فإن من يتصوّر أن تلك الهوية أو بتعبير آخر " الخصوصية " أو " الخصوصيات الثقافية " يمكن أن تزال أو تمحى أو تطمس بفعلِ مستجداتٍ هي من طبائعِ الزمن والتجديد يكون واهماً للغاية . فإن الفهمَ الصائب لبنيةِ وتكوينِ " الهوية المصرية " يجعل المرء يدرك قدرَ " التركيب " وكثافة الطبقات المكونة لهذه الهوية ومدى إتصال كل ذلك بالزمان (المسيرة التاريخية) والمكان (حقائق الجغرافيا) . وهو ما يجعل القول بإمكانية أن تقوم المعاملات الحديثة المفتوحة مع العالم الخارجي بكنسِ معالمِ خصوصياتنا الثقافية المكونة لهويتنا يبدو كمزاحٍ سخيفٍ لا أساس له من العلم والمنطق . وبإختصارٍ ، فإن كل مصري يحمل من " الطبقات " المكونة لهويته آلاف الرقائق التي تنتسب لكلِ الأبعادِ المذكورة : العربية والبحر أوسطية والإسلامية والمصرية القديمة والمسيحية ، وأن إختلافَ درجاتِ وجودِ كل نوع من هذه الرقائق لا ينفي قدر " التركيبية " في الهويةِ المصريةِ .* الخصوصيات الثقافية ذات طبيعة ديناميكية أي غير إستاتيكية:ورغم ما ذكرت ، فإن الإعتقادَ بثباتِ أو إستاتيكية الخصوصيات الثقافية هو أمرٌ على أعلى درجاتِ الخطأ والإختلاف مع طبيعة مكوناتِ ورقائقِِ الخصوصية الثقافية . فرغم قولي بأن هذه المكونات والرقائق ذات جذورٍ بعيدةٍ في الزمان (التاريخ) والمكان (الجغرافيا) فإن خصوصيتنا الثقافية كانت ولا تزال في عمليةِ تغييرٍ بطيئةٍ مستمرةٍ يحدثها واقعُ أن الزمان (ومحتواه) يتغيران ، ولكنها عمليةٌ بطيئةٌ وتستغرق أزمنةً طويلةً . ومعنى هذا الكلام أننا وإن كانت لنا (خصوصيات ثقافية) هي أساس هويتنا إلا أن الواقعَ يؤكد أن شكلَ وطبيعة وملامح هذه الخصوصيات اليوم في مستهل القرن الحادي والعشرين تختلف عنها في مستهل القرن التاسع عشر ، وهي وتلك يختلفان عن شكل وطبيعة وملامح خصوصياتنا الثقافية في مستهل القرن السادس عشر … وهكذا دواليك .ورغم معرفتي أن الجو الثقافي العام في مصر قد أصبح أسيرَ (البعـدِ الواحدِ) في أمـورٍ عدةٍ ، إلا أنني أجاسر وأقول أن خصوصياتنا الثقافية تعرف في آن واحد طبيعتين ... طبيعة الثبات أو ما يشبه الثبات … وطبيعة التغيّر الكمي البطئ الذي يؤدي إلى طريق التراكم لتغيّر كيفي بطئ أيضاً . فهناك ثبات (أو شبه ثبات) مع تغيير (أو شبه تغيير) في آنٍ واحدٍ .* الخصوصيات الثقافية بعضها إيجابي وبعضها سلبي :كذلك من غير العلمي أو المنطقي أن نعتقد أن خصوصياتنا الثقافية كلها إيجابية . فهناك العديد من مفردات خصوصياتنا الثقافية " إيجابي " وهناك العديد من مفردات خصوصياتنا الثقافية " سلبي " . وإذا كانت الأمثال الشعبية مرآة (من مرايا عديدة) للخصوصيات الثقافية والهوية ، فإن مراجعة مئات الأمثال الشعبية يؤكد وجود معالم إيجابية وإلى جوارها معالمٌ سلبية وهذا أمر منطقي في ظلِ التجربةِ المصريةِ التاريخيةِ وما إعتراها من مراحلٍ كان من الحتمي أن تنتج السلبي إلى جوار الإيجابي .* درس التجارب الآسيوية والخصوصيات الثقافية :تمتلئ عقول وصدور الكثيرين من أبناء هذا الوطن برعبٍ من آثارِ التعاملِ الواسع مع العالم الخارجي والذي يرون أنه أصبح كالطوفان الذي يصعب إيقافه ، فهو من طبائع ومعالم وثمار المرحلة التاريخية الحالية . وجوهرُ هذا الرعب هو الخوف من ضياع الخصوصيات الثقافية لنا وبالتالي ضياع الهوية أمام خصوصيات ثقافية أخرى وافدة من العالم الأكثر تقدماً وقوة وثراء . ورغم يقيني بأن خصوصياتنا الثقافية هي أمور أعمقُ من أن تكنسها التعاملاتُ مع الخارج وأن جذورها عميقةٌ وضاربةٌ في تربةِ الزمانِ والمكانِ وأن " تعقدَ التركيبةِ " التي من مجملها تتكون خصوصياتُنا الثقافية يجعل القول بإمكانيةِ ضياعِ خصوصياتنا الثقافية " مزحة سخيفة " كما قلت آنفاً ، فإنني أود أن أدعو هؤلاء "المرعوبين" لدراسة أحوال اليابان وعددٍ من دول شرق آسيا التي تعاملت على أوسعِ نطاقٍ مع الحضارةِ الغربية بشقيها الأوروبي والأمريكي وأخذت العديد من أنماطِ العملِ الصناعي والخدمي والتجاري من هذه الحضارةِ الغربيةِ ودخلت في تبادلاتٍ هائلةٍ معها ، ومع ذلك فإن الخصوصيات الثقافية الآسيوية بقت محتفظة بذاتها بل وتم توظيف عددٍ كبيرٍ من هذه الخصوصيات الإيجابية لتصبح أداةَ تميّزٍ وتفوقٍ في تلك المعاملات والمبادلات الواسعة بين الآسيويين والأوروبيين والأمريكيين . بل إن تجربتي الواسعة في التعامل مع جنوب شرق آسيا تجعلني أجزم بأن أثرَ هذا التعامل الواسع مع الآخرين لا يعدو أن يكون مجرد واحدٍ على ألفٍ من الخصوصيات الثقافية لتلك البلدان (رقيقة واحدة وافدة إلى جوار ألف رقيقة من الرقائق الأصلية) . وأذكر أنني في رحلة بالقطارِ ذات يومٍ من طوكيو إلى إحدى المدن اليابانية القديمة بدات أشعر بعد دقائق أنني أدخل بلداً مختلفاً ، فالآثارُ المعدودة والمحدودة للتعاملات اليابانية الواسعة مع العالم الغربي أخذت تتلاشى وفي المقابل أخذت تبرز بوضوحٍ معالمُ المكان الأصلية والتي تنطق كلها بثباتِ الخصوصياتِ الثقافيةِ اليابانية أمام المؤثرات الخارجية ، وإن كان ذلك لا ينفي أن هناك في المؤثرات الخارجية ما هو إيجابي وأفضل ومن الحكمة تبنيه .هل بوسع الموجة الأمريكية محو خصوصياتنا الثقافية ؟وإذا كان " رعبُ " الخائفين على خصوصياتنا الثقافية من الزوالِ والإنكسارِ أمام الخصوصيات الثقافية الوافدة يتمحوّر خوفه أساساً من " أمركة " هويتنا ، فإن الواجبَ يحتم أن نقف أمام هذه الجزئية ملياً ونتساءل : هل حقاً أن بوسع " الثقافة الأمريكية " أن تستأصل خصوصياتنا الثقافية وتحل محلها ؟ سؤال قد يخيف البعض ، أما أولئك الذين يعرفون أمريكا وتاريخها وخصوصياتها الثقافية فلا يملكون إلا السخرية من هذا الإحتمال الوهمي . فإذا كانت ثقافةُ بريطانيا العتيدة لم تمح خصوصيات الهند الثقافية رغم وجود بريطانيا قابعة على صدر الهند أربعة قرون ، مع ما لبريطانيا من ثراءٍ في الخصوصياتِ الثقافيةِ ، فهل تستطيع أمريكا التي لا تملك جزءاً على ألفِ جزءٍ من المحصول الثقافي البـريطاني أن تمحو خصـوصيات الغير الثقافية وتحل محلها الخصوصيات الثقافية الأمريكية ؟! وهل يمكن أن يكون التخوف من ثقافة الهامبرجر والكوكاكولا والبيتزا تخوفاً جاداً يستند إلى أسبابٍ قويةٍ ؟ أم انه أيضاً مزاحٌ سخيفٌ ؟! إن أمريكا (وإسرائيل أيضاً في هذا الشأن) دول تحتاج إلى قرونٍ قبل أن تكون لها هي نفسها خصوصيات ثقافية قوية يمكن لها أن تؤثر في الخصوصياتِ الثقافيةِ للآخرين .* هل بوسع الثقافة العبرانية إبتلاع خصوصياتنا الثقافية ؟وإذا كان من المستحيل في نظرنا ان تبتلع أمريكا الآخرين ثقافياً (لأنها لا تملك مؤهلات هذا الإبتلاع ولأن الأمرَ أكثرُ تركيباً وتعقيداً من هذا التصور الساذج والبسيط والذي يتجاهل حقائق " تركيبية "الخصوصية الثقافية المصرية) فإن نفسَ الأمرِ يُقال عن المرعوبين من إبتلاع الثقافة العبرية (أو العبرانية) لخصوصياتنا الثقافية . فالخصوصياتُ الثقافية المصرية نتيجة تواصل تاريخي وجغرافي لخمسين قرناً من الزمان . أما الخصوصياتُ الثقافية العبرية فهي من جهة محدودة الحجم للغاية (بحكم ضآلة أعداد اليهود في العالم) كما أنها تعرضت لإنقطاعات وتوقفات زمنية لا يمكن إنكار أثرها ، ويكفي ما حدث للغة العبرية من ذبول وضمور ثم بعثٍ جديدٍ لا يمكن ان يكون بوسعه إخفاء أثر مراحل الذبول الطويلة . وإن المرء العارف بحقائق الأمور ليتساءل عن حجم (الأدب) و (الشعر) و (الفن) اليهودي والذي يظن البعض أنه قادر على إبتلاع خصوصياتنا الثقافية . إننا هنا بصــدد " تل صغير " أمام " جبل هائل عملاق " . وأغلب الظن أن أكثر ما يخشاه العبريون على أنفسهم هو أن يؤدي حدوثُ سلامٍ في المنطقةِ لإكتساحِ الثقافاتِ الأخرى المحيطة بهم لخصوصياتهم الثقافية التي لا يقل نصفها عن خصوصيات متعلقة بثقافةِ الجيتو … فإذا زال الجيتو زالت معه نصفُ الخصوصيات الثقافية العبرانية .* العواقب الوخيمة للتقوقع علي الذات علي الخصوصيات الثقافية :من سخرياتِ الأمورِ أن يعتقد الذين يظنون أنهم حراسُ هويتنا وخصوصياتنا الثقافية أن الحدَ من الإنفتاحِ على العالمِ الخارجي والحدِ من دخولِ لعبةِ الأممِ الجديدةِ المسماةِ بالعولمة هي أمور من شأنها المحافظة على خصوصياتنا الثقافية (أي هويتنا) وحمايتها من الإندثار وإعادة التشكل وفــق معطياتِ الخصوصياتِ الثقافيةِ للآخرين بوجهٍ عام ولأمريكا بوجهٍ خاص . ولا أعتقد أن هناك خطأ فكري أفدح من ذلك . فالذين سيحاولون أن يفعلوا ذلك هم أول المرشحين لفقدانِ خصوصياتهم الثقافية ، إذ أن العزلةَ الكلية أو الجزئية التي يتوهمون أنها ممكنةٌ ستقود لوهنٍ إقتصادي كاملِ الأبعادِ وهو ما سيقود لمشكلاتٍ ومعضلاتٍ إجتماعيةٍ ستكون هي السبب الأساسي لتعاظم الخصوصيات الثقافية السلبية وإندثار الخصوصيات الثقافية الإيجابية . وبنفس القدر فإنني أؤمن إيماناً قوياً أن التعامل الحر والمفتوح مع الآخرين وعلى أوسع مدى هو القمين بتزويد الخصوصيات الثقافية لنا بعناصر جديدة لتعظيم الإيجابي منها و تنقيح السلبي .كل هذا ولم نقل شيئاً بعد عن الإستحالة المادية المطلقة لتحقيق العزلة الكلية أو النسبية التي يتصور البعضُ أنها ممكنة . فعالمية العلم وثورة الإتصالات والتقدم المذهل في وسائل الإعلام المخترقة لكل الحدود وجيوش القواعد الجديدة التي ستمنع " الحمائية الإقتصادية " كل ذلك من شأنه أن يجعل (الحلم بالعزلة الكلية أو النسبية) حلماً مستحيلَ التحقيق .* مصادر هذا " الفزع " من ضياع الخصوصية الثقافية :" الإنسان عدو ما يجهل " مقولة صحيحة وصائبة إلى أبعد الحدود ، وتنطبق هنا على الذين تمتلئ عقولُهم وقلوبُهم بالفزع الأسطوري من إندثار هويتنا وضياع خصوصياتنا الثقافية إذا ما إنخرطنا في تعاملاتٍ واسعةٍ مع العالم الخارجي (تعاملات إقتصادية وتجارية وثقافية) . فلو كان " المذعورون " من عواقب التعامل الواسع مع العالم الخارجي والذين يعيشون أسرى فكرة ان (الغزو الثقافي) يتربص بنا الدوائر وأن ثقافة الذئب تقف على أبوابنا لتنهش لحم هويتنا وثقافتنا وخصوصياتنا الثقافية ، لو كان هؤلاء الذين يغلب عليهم الذعرُ والفزعُ من مغبةِ ذلك الإنفتاح الثقافي على العالم على درايةٍ واسعةٍ بمفرداتِ كل خلفيةٍ من خلفياتنا الثقافية وعلى علمٍ واسعٍ بثقافاتِ الآخرين لما تكون لديهم شعورٌ بالدونية يجعلهم يتوهمون أنهم عرضةٌ لضياع الهوية ونسف الآخرين لمفرداتِ خصوصياتهم الثقافية . إن الجهلَ يولد الشعور بالدونية (وقد يكون مظهر ذلك شعور زائف بالتميّز يُعبر عنه ليل نهار بمدحِ الذات) والشعور بالدونية يخلق تلك المخاوف الوهمية والهلوسات بأن الذئب (الآخر) يقف على حدودِنا بنيةٍ مبيتةٍ لطمس هويتنا ونسف خصوصياتنا الثقافية وإحلال خصوصيات ثقافية أخرى محلها عن طريق إطعامنا الهامبرجر وجعلنا نشرب الكوكاكولا … ولا أظن بأن هناك شعوراً بالدونية ممزوجاً بالسطحية وتبسيط الأمور مثل ذلك المجسد في هذه الحالة من الهلع والجزع والفزع بلا أساس وبشكل يهين ذاتنا الحضارية والثقافية إذ تكون نتيجة تصوراتهم الوهمية أن هذه الذات الحضارية والثقافية ضحلة ومهترئة وضعيفة لدرجةِ أنها قابلة للسحق والضياع عند أول تعاملاتٍ واسعةٍ مع الآخرين ، وأنه لا سبيل للمحافظة عليها وصيانتها إلا بإقامةِ السدودِ والحدودِ بيننا وبين الثقافاتِ الأخرى لأننا معرضون للضياع عند فتحِ أولِ نافذة !! ولا شك أنها حالةٌ تختلط فيها الهلوسةُ بالجهل بالشعور بالدونية بشكل ينبغي أن نلفظه وبقوةٍ .
-----------------------------------------------------------------