
الأم مدرسة أم مكنسة؟!( بمناسبة عيد المرأة العالمي)
رحم الله حافظ إبراهيم حينما قال: الأم مدرسة إذا أعددتها، أعددت شعباً طيب الأعراقِ
مشكلتنا ليست مع الشاعر العظيم، بل نعلم رغم أنه ولد في جيل وعصر سابق، أنه كان متفوقا بفكرته عما يطرح الكثير من مثقفينا وسياسيينا ومقرري مصيرنا، قالها كشاعر وتركنا حتى اللحظة نتغنى بقوله ونردده في أعياد الأم ونهلل للأم ونحن نغرقها في الجهل وفي التهميش ونضعها في قوالب للتعليب والحفظ ،باعتبارها هشة وسريعة العطب!، لكن أي خطيب من خطباء تقديس الأم لم يتحفنا بحل أو ببرنامج تربوي كيف نجعل من هذه الأم ( مدرسة ) بالمعنى الفعلي والحقيقي للكلمة كي يتخرج على يديها بالتالي جيل ناضج واعي يعرف كيف يبني ويصنع وينشيء دولا وينهض أوطاناً ويساهم فكرا في حضارة بلده والبشرية جمعاء. وإن لم نفلح في مسيرتنا بجعل المرأة مدرسة فهذا يعني أن المجتمع الذي يتناصف بين امرأة ورجل فاشل ينزلق نحو هاوية التخلف ويُسَّجل في دفاتر مجتمعات العالم الثالث والعاشر وهذه حالنا.
وإن قلت في عنوان المقال أنها يمكن أن تتحول بفعل التربية الخاطئة إلى مكنسة، فإني اعني فعلا ما أقول ...لأنها تصبح أماً غير صالحة لتنشئة أجيال واعية وأن تنهض بأسرة متوازنة وتنجب أجيالا تعمر ولا تهدم ..إذن أين الخطأ؟
وكيف نجعل من الأم مدرسة فعلاً؟ المعضلة تكمن في هذا السؤال..وكيف لا ندعها تتحول لمكنسة تكنس الجمال والخير والحب في قلب وعقل الطفل وتلوث تربيته..بكل تأكيد لاذنب لها فيما ستفعل لأنها بحد ذاتها ضحية تربية جعلت كنستها هي الأخرى وبالتالي فالرحى تعود للدوران..لهذا فسوف تعيد ترتيب البيت والعقل الإنساني بطريقة تكنيس وتخليص الفكر من كل نور وتدخله إلى عالم الظلام والجهل، فلو انتقلنا لبيت من بيوتنا العربية ولحي من أحيائنا الشعبية، حيث تضع المرأة مولوداً جديدا كل عام، لتكثر من النسل وتزيد من الغلة " كي يتباهى بنا الإسلام ونصبح الأكثر عدداً وعدة فيما نحمل في رؤوسنا وعقولنا من نور الإيمان ودحض الشيطان القادم من بلاد الكفر والجان!..فلو كان المولود ذكراً وهو ماتحلم به الأم ومَن حولها...لنفشت ريشها وهرع الجميع لإرضائها وخدمتها لأنها( أم الصبيان ومنجبة الذكور والولدان)!...وستُكَّرم في كل خطوة و سيكون لها في الدار حُظوة، أما لو أنجبت بنتاً، فسيقال لها تطييبا لخاطرها: الحمد لله على سلامتك والمهم خلاصك...ويتهامسن فيما بينهن قائلات:" مسكينة حظها قليل لا تنجب إلا البنات" ربنا يكون بعونها...وحين تدرج هذه البنت على أرض الدار وحتى لو منحوها اسماً ، لكنها ستحمل مئات من أسماء التشبيه والاستعارة والنداء لما يصفها ويوظف مقامها ودورها في الحياة المستقبلية..فتصبح :" المفعوصة، المنحوسة، الملعونة، طويلة اللسان، مقصوفة العمر، عين تطرقك انشاءالله، يوه الله لا يكبرك بعدك ماطلعتي من البيضة وبتعملي مثل الكبار؟إ يه كان يوم أغبر يومن لي خلفتك...الخ الموال والمعزوفة اليومية التي تعاد وتتكرر على مسامع البنت المسكينة، وبالطبع هذه الألقاب لا تصدر عن الأم فقط ، التي نسيت هي الأخرى أنها أنثى، لكنها تكرر على مسامع البنت ماكانت تسمعه وهي صغيرة، وكذلك يفعل كل أهل البيت، وما أن ترتدي ثياب التاسعة أو العاشرة ...حتى يُبدأ بإعدادها للطاعة والخضوع وقواعد تلبية الأوامر والتعرض للضرب والشتم واللكم والتأنيب والتقريع واللوم على الصغيرة والكبيرة، ناهيك عن المنع والتحجيب وعدم اللعب مع الصبيان وعدم الخروج إلا للمدرسة ــ هذا إن ذهبت للمدرسة ويمكنها أن تذهب لفك الحرف أي لتعلم مباديء القراءة والكتابة ليس أكثر ــ وكي لا يقال عنا أننا نغالط الحقيقة أو نبالغ، لأنه لم يعد إلا القليل من البنات دون مدارس وتعليم ...لكني أسأل كم نسبة النساء حاملات الشهادات العليا في بلادنا؟ وكم هي نسبة النساء الحاصلات على مؤهلات ووظائف كبيرة في دوائرنا؟ وماهي نسبة النساء في أحزابنا السياسية ، معارضة أو موالاة؟...حين تكون النسبة تتجاوز الربع في كل هذه المجالات سأستسلم وأعلن أن مجتمعاتنا بخير ومستقبلها يبشر بالنور ويكفي معرفة نسبة الأمية في بلادنا العربية للحصول على الجواب ــ" حسب آخر إحصائية عن اليونيسكو70 مليون أمي" ــ ..هذا دون أن ننسى أن الكثير من المتعلمات وصاحبات الشهادات ربما فيهن من الجهل مايفوق النساء الريفيات البسيطات ، اللواتي تعلمن الحياة بالسليقة وفهمنها من خلال تجاربهن الشخصية وتجاوزن العسف وبحنانهن حاولن ويحاولن حماية أطفالهن مما مررن به.. القضية إذن في الموقف من المرأة منذ ترى النور...فبعد أن ترتدي ثياب طفلة وتستطيع بيديها النحيلتين أن تؤدي بعض الأعمال الصغيرة ، وبدلا من تسخير يديها للعب وكتابة واجباتها المدرسية ، تبدأ الأسرة بإعدادها لتكون زوجة مستورة ومطيعة تنفذ الأوامر دون تردد أو احتجاج أو رفض ..فالرفض يعني أنها عنيدة ورأسها يابسة وتحتاج لترويض كالحيوان! والترويض لن يكون إلا بالنهر والزجر وغالبا بالضرب والقهر وشد الشعر وسماع آلاف العبارات الجارحة، فتصبح خادمة البيت وعليها أن تطيع أخاها حتى لو يصغرها بعام أو عامين، لأنه الذكر الفحل يُعد ليصبح سيداً ورجلا...هذا إن أفلح ..فيطلب منها على سبيل المثال:" قومي وليه مفعوصة..حضري لأخيك الشاي والغداء تعبان حبيب أمه وعيونها...أما هذه الصغيرة فهي حبيبة الشيطان!، وعليها بعد هذا وذاك ألا تكفر وتسير مع صاحب أول عبارات لطيفة وحنونة تسمعها من صياد وأفاق! عليها أن تصون عرضها وشرفها، والذي يعني شرف الأسرة التي تكيل لها كل أنواع التعذيب والتطفيش، وتعطى كل يوم دروساً في العفة، والعفة هنا ليست ممارسة الأخلاق وفهمها على حقيقتها من خلال معاملة الأسرة ، بل من خلال دروس وعظات تحمل التهديد والوعيد وعذاب القبر وعذاب الحياة...تفهم الطفلة أنها لم تخلق لتكون سيدة نفسها ولا علاقة لها بملكية نفسها...إنها خلقت من أجل الآخر كل الآخر جسدياً ونفسياً وعقلياً..الأسرة منذ ولادتها والزوج والأولاد فيما بعد..والأسرة هنا لا تعني الأب والأم فقط ، بل العم والخال والجد والجدة، ويصل الأمر حتى للجار والجارة إن كانوا من نفس العشيرة، ولكل تعليماته وتقريعاته وعليها أن تحفظها وتسمعها وتطيعها وتنفذها دون اعتراض..هل يضع أحدهم نفسه مكان طفلة تمارس عليها مثل هذه الطقوس؟ ربما سيقول البعض أن هذا غير موجود إلا نادرا وفي الأرياف البعيدة...لكن القسم الأكبر من شعوبنا يعيش في الأرياف أو أحزمة المدن الفقيرة حاملين معهم كل تراثهم الثقافي والعشائري، والدليل على هذا النسبة المرتفعة لجرائم الشرف، في سوريا والأردن وفلسطين والعراق...والنسبة المرتفعة لتسرب البنات من المدرسة وخروجهن الباكر لسوق العمل في الحقول والمعامل أو على بسطات الشوارع وتعرضهن اليومي للإذلال والاستغلال الجنسي...
إزاء هذا الوضع، ماذا تفعل حكوماتنا الميمونة( الممانعة أو المعتدلة) لتلافي آلام النساء والتخفيف من الظلم الواقع عليهن؟..هل تغيرت برامجنا التعليمية؟ هل اهتمت الأنظمة بتأهيل وتربية المعلم المربي كي ينشيء جيلا سوياً؟...كم من المشاكل اليومية والتي تشيب لها النواصي تخرج من أفواه المعلم نفسه حين يستخدم سلطته لتجيير عقل التلميذ ويجعل منه مشروع بعثي كما يحصل في دروس الطلائع الثورية والشبيبة وعسكرة المجتمع في سورية وسابقا في العراق!..هذا عدا عن أسلمة الأطفال فلا تكاد تمر أمام مدرسة ابتدائية وليست إعدادية أو ثانوية، إلا وتجد الطفلة وقد غطت رأسها بقطعة من القماش تميل يسارا ويمينا فتحرمها من حقها في الرؤيا الصحيحة وتمضي الوقت في محاولة إصلاحها، أو في تنورة تلف جسدها حتى القدمين فتمنعها عن الحركة والجري واللعب كبقية الأطفال، فتغدو مرتبكة وغير واثقة من نفسها وتميل للعزلة..كيف ستكبر فتاة كهذه وهي تتلفع بكيس يقال لها أنه يحفظها من الخطف والموت والنار؟ لأن جسدها محط دنس ورجس وعورة وإغراء لعيون الرجال الجائعة والذئاب البشرية، بالتأكيد فإن مجتمعات كهذه ستجعل من الرجال ذئابا بشرية، ويكفي ما نقرأه من أخبار يندى لها الجبين عن اغتصاب للأطفال وسفاح القربى ، هذا النذر اليسير الذي يتم فضحه والكشف عنه ويصل للصحف وهناك الكثير مما يطمر ويدفن دون أن تصله العين والأذن، وعلى الدوام العاقبة والخاطئة والضحية هي المرأة!! ـــ أعلم أنه على الفور ستتم المقارنة بأن العالم الحر الغربي يحوي الكثير من الجرائم المرتكبة بحق الأطفال، هذا صحيح فالمرض النفسي والإنساني لا علاقة له في كثير من الأحيان بالتربية والقوانين، لكن قوانينهم صارمة وتعالج المرتكب وتعاقب بشدة، بينما يخرج مجرمنا بعد ستة أشهر هي الحق العام..لأنه يسجل إما كقاصر أو كمدافع عن شرفه النبيل المتموضع بين فخذي زوجته أو أخته أو ابنته... وإن كان من أقاربها أو قريتها فيحق تزويجها من مغتصبها!! رامين عرض الحائط بوضعها النفسي...لأنها لا تعامل ولا ينظر لها لا من خلال القانون ولا المجتمع كإنسان!.
حتى اليوم تناضل على سبيل المثال: المرأة السورية لتحصل على حقها في منح الجنسية على الأقل لأبنائها ــ فزوجها مازال في عرف حكومتنا( العلمانية البعثية الممانعة) خارج الحسبة ــ ..حتى أبناءها قال فيهم النظام مايلي:" بما أن معظم الزيجات التي تتم بين المرأة السورية ورجال غير سوريين هي مع فلسطينيين ، فهذا يعني أنه لو منح الأولاد الجنسية السورية لحرمناهم من حقهم في العودة لفلسطين..لأن النظام السوري حريص على عودتهم لأرضهم أرض أجدادهم التي لم يرها حتى آباءهم ولن يروها !...على من تنطلي الحيل والتدليس واستخدام القضية الفلسطينية كبردعة وحيلة لحرمان المرأة من حقها؟
للعلم فقط..عدد الفلسطينيين المقيمين على الأرض السورية حوالي نصف مليون نسمة ولو تصورنا أن ربعهم متزوج من سوريات وليس أكثر فهذا لن يتعدى ال 150 ألف وهل يعني منح الفلسطيني جنسية سورية حرمانه من حق العودة لو عادت فلسطين؟ ومن يقرر هذا أليس الفلسطيني نفسه ، ألا يحق للإنسان أن يختار موطنه ومكان إقامته؟ لماذا يحق للسوري المتزوج من أجنبية مهما كان فصلها وجنسها أن يمنحها جنسيته؟ ولأولادها أيضا..لكن المرأة تظل الحجر العثرة والدرجة الأدنى ويبدو أنها من يقرر وطنية وانتماء السوري والفلسطيني ..الحق عليها لو أحبت وتزوجت من خارج الوطن!!...وكيف يقال أنها نصف البشرية ونصف المجتمع السوري؟ ..
هناك نظام للكوتا في البرلمان السوري يسمح للمرأة بنسبة لا بأس بها في تشكيل البرلمان...لكن ماذا فعلت هؤلاء النسوة للمرأة السورية نفسها؟ لا يفقهن إلا رفع الأيدي والتصويت للقائد والقيادة الرشيدة والخطاب باسمها والصراخ والزعيق : بالروح والدم نفديك يا رئيس!...والختم والبصم على كل ما يصدر من تشريعات تظلمهن كنساء لأن القرار خارج أيديهن ودورهن للديكور فقط، وكي يقال للعالم أننا دولة تقدمية ووضع المرأة عندنا لا تشوبه شائبة ويليق بدولة متحضرة علمانية بعثية اشتراكية قومية عربية!
وماذا تفعل وزيراتنا في الحكومة؟ هناك نائبة رئيس أيضاً!..لقد سبق وكتبت في أكثر من مناسبة ماقالته وتفعله بين فترة وأخرى وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل وكيف تُضَّيق يومياً على الجمعيات الأهلية التي تساعد فقيرات الأرض وذوات الاحتياجات، وكيف تغلق منتديات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان..باعتقادي هذا كافٍ ليعطي صورة عن كوتا النساء على النهج السوري...لأن الكوتا يجب أن تكون ضمن قانون ديمقراطي وانتخابات حرة ونزيهة ودولة قانون وحق ونظام وحرية أحزاب وتداول سلطة وتعددية سياسية...وهذا كله مجرد حلم يسعى إليه المواطن العربي والسوري بشكل خاص.. في مثل هذه الظروف يمر عيد المرأة العالمي على سوريا ،لكنه يطمس من أجل عيون عيد الثورة في استلام البعث السوري السلطة وتأهيل قانون الطواريء ليصبح سيد القضاء منذ الثامن من آذار عام 1963 حتى اليوم...فكل عام وأنتم بألف خير!
أي عيد وأي مواعيد في ظل طواريء وحزب قائد؟ وأي حرية وقوانين تحمي المرأة وتصونها دون تمييز، حتى قانون يجرم مرتكبي جرائم الشرف ويحد منها مازال حلما هو وقانون الجنسية!، ادعوا معي أن يتحقق لأن المراة السورية تناضل بحدة منذ أعوام طويلة ليصبح حقيقة أسوة بأختها المرأة المصرية والمغربية والتونسية ، وسيتم التصويت عليه هذا الشهر في مجلس الشعب...نأمل ...وندعو ..وسيكون أول الغيث قطرة على درب إصلاح وضع المرأة وإعدادها لتكون مدرسة..يبدأ بقانون يحميها وإصلاح في العملية التربوية، والعقلية الثقافية المجتمعية، وبما أنها أصعب وأعقد الأمور حيث يختلط الديني بالتقليدي والعرفي، فعلينا تغيير القوانين التي تحميها من التمييز ، وتغيير المناهج التعليمية التي تعد الأجيال..وهذا أمره مازال بأيدِ أنظمة تجيش شعوبها وتقيد حرياتهم واختياراتهم رجالاً ونساء..لأنهم ملكها وطوع أمرها..وهذا بالتالي يتعلق بتغيير للأنظمة وإصلاح ونقد الخطاب الديني، وكلها من واجبات المثقف والسياسي.
فلورنس غزلان ــ باريس 02/02/2009
--------------------------------------------------------
في الثامن من آذار...عن العنف ضد النساء
08 - 03 - 2009
عريب الرنتاوي
لا ينبغي أن تنصرف الأذهان إلى "جرائم الشرف" حين نتحدث عن ظاهرة تعنيف النساء، كما يحدث غالبا، فضحايا هذه الجرائم (التي لا تشرّف مقترفيها، ولا تتكشف عن شرف فائض يجيش في عروقهم)، هن قلة من النساء، في حين أن ضحايا العنف ضد المرأة يصعب حصرهن، لا لكثرتهن فحسب، بل ولحساسية المسألة وما تثيرة من أسئلة ثقافية وتربوية، دينية واجتماعية.
أبشع مظاهر العنف الموجّه ضد النساء، هو ذاك الذي يجد تبريره وتفسيره عند المرأة ذاتها...وأكثر اللحظات تسببا للألم وأحيانا للإحباط، هي تلك التي تشرع فيها نساء في سرد "الأسباب الموجبة" لتعنيفهن، وتقديم الدلائل والشواهد على "صحة" الظاهرة وانسجامها مع تعاليم السماء، بل وانبثاقها من "الطبائع المختلفة" للرجال عن النساء، والتي عادة ما تكون المستند الرئيس لمفهوم "القوامة".
ليس لدي إحصاءات دقيقة تشرح مستوى انتشار وتفشي ظاهرة "العنف ضد النساء"، ولا أحسب أن الإحصاءات في هذا الميدان "الحساس"، تعطي صورة عن حجم الظاهرة، مهما بلغت دقتها وصرامتها العلميتين، فالمسألة ببساطة تدخل في سياق "الأسرار العليا" لمعظم الأسر الأردنية، وهو شأن يدفن غالبا في "الصندوق الأسود" لغرف نومنا.
في مجتمع بطريركي / ذكوري، يبدو تعنيف النساء أمرا مستسهلا ومستساغا، فالزوج "يؤدّب" زوجته، والأخ "يسهر" على إخلاق أخته، والأب له سلطة عليا على الأبناء والأحفاد، خصوصا الإناث منهن، وتمتد يد السيطرة القوية على النساء إلى ما هو أبعد من "العائلة الصغيرة"، وغالبا إلى العائلة الممتدة على اتساعها.
وثمة قراءة دينية، أحسب أن لا أساس لها من الصحة، وأرغب في أن لا يكون لها أساس من الصحة، وأدعو الكافة، وخصوصا رجال الدين والفقهاء، إلى محاربتها واستئصالها، فهي قراء تبيح التعنيف و"تقننه"، قراءة تجعل الضرب أمرا ممكنا إن لم يتسبب بعاهة مزمنة أو تشويه مؤقت، وهي قراءة تعطي الرجل الكلمة العليا فيما يخص حفظ "شرف" العائلة، وتتساهل كثيرا حين يكون إهدار "الشرف" فعلا ذكوريا.
وثمة أعراف سائدة في ثقافتنا الدارجة، تمجّد الرجل "الحمش"، ذي اليد الطويلة على "محارمه" طالما أن الأمر يدخل في إطار "صون الشرف" ويندرج في سياق "حق القوامة"، ولكم رأينا وسمعنا وشهدنا قصصا وحكايات تبالغ في هذا التمجيد، وتحرّض الأخ على أخته، والزوج على زوجته، والأب والخال والعم للاضطلاع بأدوارهم الذكورية المعتادة.
لسنا بحاجة للتأكيد بأن "الصلاحيات" الذكورية، لطالما أسيء استخدامها في الأسرة والمدرسة والمجتمع على حد سواء، وأن ما يسمى "حقا" للرجل في التقويم والتقييم والقوامة، لطالما تحوّل إلى إداة إرهاب وابتزاز وإساءة، وصولا حد القتل العمد بسيف "العذر المُحلّ والمخفف"، وقد آن الأوان لمواقف جريئة تجتث العنف والتعنيف ضد النساء، وتحول دون استمراره كظاهرة، آن الأوان لحملة وطنية "تقبّح" العنف ضد المرأة وتضعه في خانة الجنحة أو الجريمة جزائيا، وتجعل من مقترفها خارجا على القانون، آن الأوان لجهد ثقافي، توعوي وتربوي، ينتهي إلى الحط من قدر من يمارس هذه الظاهرة، حتى لا يظل "بطلا" في بعض المأثورات الشعبية المتخلفة، آن الأوان لوقفة من رجال الدين ترفع "الوعظ والإرشاد" في هذه المسألة من مصاف المناشدة والتمني إلى مستوى التحريم والتجريم، آن الأوان للفاعلين في منظومتنا الاجتماعية والقيمية العائلية والعشائرية، أن يكونوا طليعيين في مجابهة هذه الظاهرة، وعدم التذرع بالموروث والأعراف، فكثير من الموروثات والأعراف، باتت عبئا ثقيلا علينا، وليس لكل ظواهر الماضي ومظاهرة، وقعا وأثرا إيجابيا بالضرورة، وكوننا شهدنا على ما كان آباؤنا وأجدادنا يفعلون، لا يعني أنهم كانوا على صواب أو أن دعوتنا هذه على خطأ، ولو بقينا ننظر بقداسة وتقديس لماضينا، لما حدث، ولن يحدث أي تطور من أي نوع، فهل نحن فاعلون ؟!.
----------------------------------------------------------
فيلتمان
بعد لقاء المعلم يشير إلى "أرضية مشتركة" ويدعو لعدم الإفراط بالتفاؤلفيلتمان خلال اللقاء مع المعلم
دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)--
قدم جيفري فلتمان، القائم بأعمال مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، إشارات محدودة حول نتائج زيارته إلى دمشق السبت، حيث قال إن الخطوة أدت إلى إيجاد "أرضية مشتركة" حول الكثير من الأمور بالمنطقة، غير أنه دعا إلى عدم التسرع في الاستنتاج والإفراط التفاؤل.
وقال فيلتمان للصحفيين، بعد اللقاء الذي جمعه بوزير الخارجية السوري، وليد المعلم، والمستشارة السياسية والإعلامية في رئاسة الجمهورية السورية، بثينة شعبان: "لقد تناول النقاش الكثير من المواضيع في المنطقة والعالم، إلى جانب قضايا ثنائية، كما بحثنا كيفية السير قدماً في الكثير من المسارات."
وأضاف فيلتمان، الذي يعتبر أرفع مسؤول أمريكي يزور دمشق منذ عام 2005، في مؤتمر صحفي عقده عبر الهاتف مع إعلاميين بالولايات المتحدة: "لقد توافقت مصالحنا (الولايات المتحدة وسوريا) في عدة قضايا، واختلفت في أخرى."
ولم يقدم المسؤول الأمريكي الكثير من التفاصيل، إلا أنه وصف المحادثات بأنها "بناءة."
من جهتها، نقلت وكالة الأنباء السورية أن لقاء المعلم مع فيلتمان، الذي رافقه في زيارته دانييل شابيرو، عضو مجلس الأمن القومي الأميركي، تناول "العلاقات الثنائية بين البلدين وآليات تعزيزها إضافة إلى تبادل وجهات النظر إزاء الأوضاع الإقليمية بهدف تحقيق السلام العادل والشامل في منطقة الشرق الأوسط."
وبحسب الوكالة فقد كانت وجهات النظر "متفقة حول أهمية استمرار الحوار لتحقيق الأهداف التي تخدم المصالح المشتركة وتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة."
يذكر أن دمشق شهدت بعد تسلم الرئيس باراك أوباما مهامه في البيت الأبيض سلسلة زيارات لوفود أميركية وأعضاء في الكونغرس الأميركي كان آخرها زيارة السيناتور جون كيري رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي وهاورد بيرمان رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي.
وكان فيلتمان قد استبق زيارته إلى دمشق بالمرور في بيروت، حيث قابل كبار المسؤولين فيها، مطلقاً عدة مواقف قبل انتقاله إلى دمشق، كان أبرزها أن الإدارة الجديدة في واشنطن "ملتزمة السلام في المنطقة، وملتزمة استمرار الدعم الأميركي القوي لسيادة لبنان واستقلاله."
ورأى فيلتمان، الذي شغل في السابق منصب السفير الأمريكي في بيروت إبان أحداث فبراير/شباط 2005 واغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، رفيق الحريري، وما تلاه من خروج للجيش السوري: "أنا أنظر إلى مهمتي في دمشق كجزء من جهودنا لحماية لبنان الديمقراطي." وفقاً لوكالة الأنباء اللبنانية.
ولدى سؤاله عما إذا كان يحمل مطالب أميركية لسوريا تتعلق بـ"حزب الله" أو بعلاقاتها مع إيران أجاب :"لننطلق من القرار 1701 (الذي أنهى معارك 2006 بين الحزب وإسرائيل) الذي يشكل أساسا للاستقرار في جنوب لبنان، إن هذا القرار صادر عن مجلس الأمن، وقد حظي بالدعم الدولي. كما أن المسؤولين اللبنانيين يكررون دعمهم له، ومحادثاتنا مع السوريين في شأن لبنان قد تتطرق إلى المبادئ التي يتناولها القرار 1701. ونحن نريد أن نرى تطبيقا تاما لهذا القرار."
وكانت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، قد أعلنت الأسبوع الماضي أن حكومة بلادها سوف ترسل اثنين من المسؤولين إلى العاصمة السورية، "لبحث العلاقات بين واشنطن ودمشق."
وأضافت قائلة "هناك عدد من القضايا بين سوريا والولايات المتحدة، بالإضافة إلى القضايا الإقليمية الأوسع، والتي تشكل سوريا جزءاً منها."
وقالت كلينتون: "نحن لا ندخل في محادثات من أجل النقاش فقط، بل يجب أن يكون هناك غرض منها، وهدف يفضي إلى الاستفادة منها."
وأشارت المسؤولة الأمريكية إلى أن عددا من أعضاء الكونغرس الأمريكي زاروا دمشق في الأشهر الأخيرة.
والأسبوع الماضي، اجتمع فيلتمان، مسؤول ملف الشرق الأوسط بوزارة الخارجية الأمريكية مع السفير السوري في الولايات المتحدة، والذي اعتبر مراقبون أنه يمثل استئنافاً للحوار الدبلوماسي بين الطرفين، بعد توقفه خمس سنوات تقريباً.
وتتركز مطالب واشنطن من سوريا على وقف ما تعتبره الولايات المتحدة "تدخلاً" في الشؤون الداخلية اللبنانية، إلى جانب وقف دعم التنظيمات التي تصفها واشنطن بأنها "إرهابية" على غرار حزب الله وحركة "حماس،" وكبح تدفق العناصر المسلحة إلى العراق عبر حدودها.
وكانت الولايات المتحدة قد سحبت سفيرها من دمشق قبل أربع سنوات، احتجاجاً على اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، والذي تتهم واشنطن فيه سوريا بأنها وراء حادثة الاغتيال، وهو ما تنفيه بشكل قاطع سوريا.
وتفيد التحقيقات الدولية في الحادث إلى وجود أدلة على تورط سوريا في الاغتيال الذي أودى بحياة 22 شخصاً إلى جانب الحريري.
-------------------------------------------------------
ا
لقيروان عاصمة للثقافة الإسلامية (+)
الدكتور عبدالله تركماني
بعد أن احتفت بمدينة حلب السورية في سنة 2007 ومدينة الإسكندرية المصرية في سنة 2008، فإنّ المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة " الإيسيسكو " قد اختارت مدينة القيروان (160 كيلومترا جنوب شرقي تونس) عاصمة للثقافة الإسلامية لسنة 2009. وعزت المنظمة هذا الاختيار إلى " كون القيروان في طليعة الحواضر العربية - الإسلامية في شمال أفريقيا ذات التاريخ المجيد والعطاء الغزير المتميز في خدمة الثقافة العربية - الإسلامية، خصوصا في حقول الفقه الإسلامي وفي مجالات اللغة والأدب والشعر والتاريخ ".
ويعتب
ر إنشاء مدينة القيروان، التي تعرف أيضا باسم عاصمة الأغالبة، في العام 50 هجرية/670 ميلادية بداية تاريخ الحضارة العربية - الإسلامية في المغرب العربي. وتزهو القيروان، رابعة المدن الإسلامية، بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف، بالعديد من المعالم التاريخية. إذ تشتهر بجامع عقبة بن نافع ومتحف رقادة الإسلامي، إضافة إلى بيت الحكمة الذي أنشأه إبراهيم الثاني الأغلبي في عام 289 للهجرة/902 للميلاد. والقيروان في الأصل كلمة فارسية دخلت إلى العربية، وتعني مكان السلاح ومحط الجيش وموضع اجتماع الناس عند الحرب.
ويجمع المؤرخون والمختصون في الحضارة العربية - الإسلامية على أنّ للقيروان إسهاماتها المتميزة في الحضارة الإنسانية، من خلال ما قدمته من فكر إسلامي مستنير ونشر لقيم الاعتدال والتسامح والحوار بين الحضارات، فضلا عن إسهاماتها في نشر الفن الإسلامي والعلوم الصحيحة. إذ أنّ بناء جامع عقبة، كغيره من مساجد القيروان، ارتبط دوما بتنظيم حلقات التدريس وإنشاء المدارس والمكتبات العامة ومن أشهرها بيت الحكمة، الذي أُنشئ أسوة ببيت الحكمة الذي أسسه الخليفة العباسي هارون الرشيد في بغداد، فكان نواة لمدرسة الطب القيروانية التي أثّرت في الحركة العلمية للمغرب العربي – الإسلامي لزمن طويل. ولأنّ المسلمين الأوائل في القيروان أدركوا أنهم في منطقة ليس فيها من الأمطار القدر الكبير, تحايلوا للمحافظة على المياه بتأسيس خزانات عدة لتجميع مياه الأمطار, وهي تعكس نظاما هندسيا متطورا لري المناطق الزراعية وتأمين المياه اللازمة لسكان المدينة. وما زالت هذه الخزانات قائمة إلى اليوم، ويستند الباحثون عن نظامها الدقيق لمعرفة مدى تطور العلوم في تلك الحقبة من تاريخ المنطقة.
لقد أدمج القيروانيون تراثا هندسيا متنوعا في عمارتهم جمع بين الأندلسي والتركي والعربي القديم، ومن هنا فإنّ المدينة العتيقة للقيروان ألهمت العديد من الفنانين، بفعل أزقتها الملتوية والممرات والقباب ذات اللون الأبيض، التي تحوم كلها حول مسجد عقبة بن نافع ومئذنته الرائعة. أما الأسواق والأزقة المعدة للتجارة، فتتوزع بحسب الاختصاصات وتعج بالحركة، وحولها تحوم الأسوار بقلاعها.
ولعل هذا ما جعلها تأسر قلوب الشعراء الذين زاروها، وفي مقدمتهم نزار قباني الذي نقش القيروانيون ما قاله فيها على جدار النافورة التي تطالعك في مدخل المدينة, مشيدا بكونها " المدينة العربية الوحيدة التي أحبت الشعراء وحفرت قصائدهم على جدرانها ".
وتنط
ق الاحتفالات بداية من يوم 8 مارس/آذار الجاري، وبعد موكب الافتتاح الرسمي الذي سينتظم في صحن جامع عقبة بن نافع، سيتم عرض احتفالية فنية بعنوان " المشهدية – القيروان الخالدة " في 10 مارس/آذار من إنجاز الموسيقار التونسي مراد الصقلي. وستشتمل سنوية " القيروان عاصمة للثقافة الإسلامية " على 18 ندوة فكرية و10 لقاءات مختصة و10 معارض و8 مهرجانات و20 عرضا موسيقيا و20 عرضا سينمائيا و10 مسرحيات، علاوة على مؤتمرين إقليميين وأمسيتين شعريتين، إلى جانب مجموعة من الندوات والمعارض الفنية. وفي البرنامج ندوات فكرية تهتم بـ " حوار الحضارات والتنوع الثقافي " و " حضور الإسلام والحضارة العربية في شمال المتوسط "، ومعارض حول " التراث المعماري القيرواني " و " أعلام القيروان "، وعروض مسرحية وسينمائية وأمسيات شعرية.
ومن أبرز الفعاليات الثقافية التي تشهدها تونس في العام 2009 كذلك الاحتفاء بمئوية المسرح التونسي ومئوية الشاعر التونسي الكبير أبو القاسم الشابي، إذ انطلقت الاحتفالية بمئوية الشابي في 24 فبراير/شباط على أن تختتم في 9 أكتوبر/تشرين الأول. لقد وُلد الشابي في سنة 1909 وتوفي في سنة 1934، وأنتج أشعاره التي خلَّدته في أقل من عشر سنوات وبينها بالخصوص قصيدته ذائعة الصيت لدى كل العرب " إرادة الحياة ".
كما أنّ الدورة الثالثة والعشرين من مهرجان علي بن عياد للمسرح، التي اختتمت فعالياتها في أواخر فبراير/شباط الماضي، تزامنت هذه السنة مع مئوية المسرح التونسي. إذ يعتبر بن عياد (1930 ـ 1972)، رائد المسرح التونسي، ومن أهم أعماله المسرحية " أوديب الملك " 1958 و " كاليغولا " 1962 و " مدرسة النساء " 1963 و " عطيل " و " البخيل " 1964 و " مراد الثالث " 1968.
ولعله من المهم أن نؤكد أنّ اختيار القيروان مدينة للثقافة الإسلامية لم يكن من فراغ، وإنما بسبب شهرتها ومكانتها التاريخية، وقد اقترن اسمها ببداية الحضارة العربية - الإسلامية في المغرب العربي. ولعل ما يعني تونس اليوم هو: كيف تؤسس لخطاب حول الهوية الثقافية التونسية، ذات العمق العربي – الإسلامي، يندرج في إطار مشروع الانفتاح والحداثة، خصوصا أنّ التاريخ الحديث لتونس قد امتاز بخاصية استثنائية جعلته من أكثر المجتمعات العربية قدرة على إنتاج الأفكار الرائدة والتنويرية والسباقة والمتقدمة على عصرها.
تونس في 1/3/2009 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(+) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 5/3/2009
وقال فيلتمان للصحفيين، بعد اللقاء الذي جمعه بوزير الخارجية السوري، وليد المعلم، والمستشارة السياسية والإعلامية في رئاسة الجمهورية السورية، بثينة شعبان: "لقد تناول النقاش الكثير من المواضيع في المنطقة والعالم، إلى جانب قضايا ثنائية، كما بحثنا كيفية السير قدماً في الكثير من المسارات."
وأضاف فيلتمان، الذي يعتبر أرفع مسؤول أمريكي يزور دمشق منذ عام 2005، في مؤتمر صحفي عقده عبر الهاتف مع إعلاميين بالولايات المتحدة: "لقد توافقت مصالحنا (الولايات المتحدة وسوريا) في عدة قضايا، واختلفت في أخرى."
ولم يقدم المسؤول الأمريكي الكثير من التفاصيل، إلا أنه وصف المحادثات بأنها "بناءة."
من جهتها، نقلت وكالة الأنباء السورية أن لقاء المعلم مع فيلتمان، الذي رافقه في زيارته دانييل شابيرو، عضو مجلس الأمن القومي الأميركي، تناول "العلاقات الثنائية بين البلدين وآليات تعزيزها إضافة إلى تبادل وجهات النظر إزاء الأوضاع الإقليمية بهدف تحقيق السلام العادل والشامل في منطقة الشرق الأوسط."
وبحسب الوكالة فقد كانت وجهات النظر "متفقة حول أهمية استمرار الحوار لتحقيق الأهداف التي تخدم المصالح المشتركة وتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة."
يذكر أن دمشق شهدت بعد تسلم الرئيس باراك أوباما مهامه في البيت الأبيض سلسلة زيارات لوفود أميركية وأعضاء في الكونغرس الأميركي كان آخرها زيارة السيناتور جون كيري رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي وهاورد بيرمان رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي.
وكان فيلتمان قد استبق زيارته إلى دمشق بالمرور في بيروت، حيث قابل كبار المسؤولين فيها، مطلقاً عدة مواقف قبل انتقاله إلى دمشق، كان أبرزها أن الإدارة الجديدة في واشنطن "ملتزمة السلام في المنطقة، وملتزمة استمرار الدعم الأميركي القوي لسيادة لبنان واستقلاله."
ورأى فيلتمان، الذي شغل في السابق منصب السفير الأمريكي في بيروت إبان أحداث فبراير/شباط 2005 واغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، رفيق الحريري، وما تلاه من خروج للجيش السوري: "أنا أنظر إلى مهمتي في دمشق كجزء من جهودنا لحماية لبنان الديمقراطي." وفقاً لوكالة الأنباء اللبنانية.
ولدى سؤاله عما إذا كان يحمل مطالب أميركية لسوريا تتعلق بـ"حزب الله" أو بعلاقاتها مع إيران أجاب :"لننطلق من القرار 1701 (الذي أنهى معارك 2006 بين الحزب وإسرائيل) الذي يشكل أساسا للاستقرار في جنوب لبنان، إن هذا القرار صادر عن مجلس الأمن، وقد حظي بالدعم الدولي. كما أن المسؤولين اللبنانيين يكررون دعمهم له، ومحادثاتنا مع السوريين في شأن لبنان قد تتطرق إلى المبادئ التي يتناولها القرار 1701. ونحن نريد أن نرى تطبيقا تاما لهذا القرار."
وكانت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، قد أعلنت الأسبوع الماضي أن حكومة بلادها سوف ترسل اثنين من المسؤولين إلى العاصمة السورية، "لبحث العلاقات بين واشنطن ودمشق."
وأضافت قائلة "هناك عدد من القضايا بين سوريا والولايات المتحدة، بالإضافة إلى القضايا الإقليمية الأوسع، والتي تشكل سوريا جزءاً منها."
وقالت كلينتون: "نحن لا ندخل في محادثات من أجل النقاش فقط، بل يجب أن يكون هناك غرض منها، وهدف يفضي إلى الاستفادة منها."
وأشارت المسؤولة الأمريكية إلى أن عددا من أعضاء الكونغرس الأمريكي زاروا دمشق في الأشهر الأخيرة.
والأسبوع الماضي، اجتمع فيلتمان، مسؤول ملف الشرق الأوسط بوزارة الخارجية الأمريكية مع السفير السوري في الولايات المتحدة، والذي اعتبر مراقبون أنه يمثل استئنافاً للحوار الدبلوماسي بين الطرفين، بعد توقفه خمس سنوات تقريباً.
وتتركز مطالب واشنطن من سوريا على وقف ما تعتبره الولايات المتحدة "تدخلاً" في الشؤون الداخلية اللبنانية، إلى جانب وقف دعم التنظيمات التي تصفها واشنطن بأنها "إرهابية" على غرار حزب الله وحركة "حماس،" وكبح تدفق العناصر المسلحة إلى العراق عبر حدودها.
وكانت الولايات المتحدة قد سحبت سفيرها من دمشق قبل أربع سنوات، احتجاجاً على اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، والذي تتهم واشنطن فيه سوريا بأنها وراء حادثة الاغتيال، وهو ما تنفيه بشكل قاطع سوريا.
وتفيد التحقيقات الدولية في الحادث إلى وجود أدلة على تورط سوريا في الاغتيال الذي أودى بحياة 22 شخصاً إلى جانب الحريري.
-------------------------------------------------------
ا
لقيروان عاصمة للثقافة الإسلامية (+)الدكتور عبدالله تركماني
بعد أن احتفت بمدينة حلب السورية في سنة 2007 ومدينة الإسكندرية المصرية في سنة 2008، فإنّ المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة " الإيسيسكو " قد اختارت مدينة القيروان (160 كيلومترا جنوب شرقي تونس) عاصمة للثقافة الإسلامية لسنة 2009. وعزت المنظمة هذا الاختيار إلى " كون القيروان في طليعة الحواضر العربية - الإسلامية في شمال أفريقيا ذات التاريخ المجيد والعطاء الغزير المتميز في خدمة الثقافة العربية - الإسلامية، خصوصا في حقول الفقه الإسلامي وفي مجالات اللغة والأدب والشعر والتاريخ ".
ويعتب
ر إنشاء مدينة القيروان، التي تعرف أيضا باسم عاصمة الأغالبة، في العام 50 هجرية/670 ميلادية بداية تاريخ الحضارة العربية - الإسلامية في المغرب العربي. وتزهو القيروان، رابعة المدن الإسلامية، بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف، بالعديد من المعالم التاريخية. إذ تشتهر بجامع عقبة بن نافع ومتحف رقادة الإسلامي، إضافة إلى بيت الحكمة الذي أنشأه إبراهيم الثاني الأغلبي في عام 289 للهجرة/902 للميلاد. والقيروان في الأصل كلمة فارسية دخلت إلى العربية، وتعني مكان السلاح ومحط الجيش وموضع اجتماع الناس عند الحرب.ويجمع المؤرخون والمختصون في الحضارة العربية - الإسلامية على أنّ للقيروان إسهاماتها المتميزة في الحضارة الإنسانية، من خلال ما قدمته من فكر إسلامي مستنير ونشر لقيم الاعتدال والتسامح والحوار بين الحضارات، فضلا عن إسهاماتها في نشر الفن الإسلامي والعلوم الصحيحة. إذ أنّ بناء جامع عقبة، كغيره من مساجد القيروان، ارتبط دوما بتنظيم حلقات التدريس وإنشاء المدارس والمكتبات العامة ومن أشهرها بيت الحكمة، الذي أُنشئ أسوة ببيت الحكمة الذي أسسه الخليفة العباسي هارون الرشيد في بغداد، فكان نواة لمدرسة الطب القيروانية التي أثّرت في الحركة العلمية للمغرب العربي – الإسلامي لزمن طويل. ولأنّ المسلمين الأوائل في القيروان أدركوا أنهم في منطقة ليس فيها من الأمطار القدر الكبير, تحايلوا للمحافظة على المياه بتأسيس خزانات عدة لتجميع مياه الأمطار, وهي تعكس نظاما هندسيا متطورا لري المناطق الزراعية وتأمين المياه اللازمة لسكان المدينة. وما زالت هذه الخزانات قائمة إلى اليوم، ويستند الباحثون عن نظامها الدقيق لمعرفة مدى تطور العلوم في تلك الحقبة من تاريخ المنطقة.
لقد أدمج القيروانيون تراثا هندسيا متنوعا في عمارتهم جمع بين الأندلسي والتركي والعربي القديم، ومن هنا فإنّ المدينة العتيقة للقيروان ألهمت العديد من الفنانين، بفعل أزقتها الملتوية والممرات والقباب ذات اللون الأبيض، التي تحوم كلها حول مسجد عقبة بن نافع ومئذنته الرائعة. أما الأسواق والأزقة المعدة للتجارة، فتتوزع بحسب الاختصاصات وتعج بالحركة، وحولها تحوم الأسوار بقلاعها.
ولعل هذا ما جعلها تأسر قلوب الشعراء الذين زاروها، وفي مقدمتهم نزار قباني الذي نقش القيروانيون ما قاله فيها على جدار النافورة التي تطالعك في مدخل المدينة, مشيدا بكونها " المدينة العربية الوحيدة التي أحبت الشعراء وحفرت قصائدهم على جدرانها ".
وتنط
ق الاحتفالات بداية من يوم 8 مارس/آذار الجاري، وبعد موكب الافتتاح الرسمي الذي سينتظم في صحن جامع عقبة بن نافع، سيتم عرض احتفالية فنية بعنوان " المشهدية – القيروان الخالدة " في 10 مارس/آذار من إنجاز الموسيقار التونسي مراد الصقلي. وستشتمل سنوية " القيروان عاصمة للثقافة الإسلامية " على 18 ندوة فكرية و10 لقاءات مختصة و10 معارض و8 مهرجانات و20 عرضا موسيقيا و20 عرضا سينمائيا و10 مسرحيات، علاوة على مؤتمرين إقليميين وأمسيتين شعريتين، إلى جانب مجموعة من الندوات والمعارض الفنية. وفي البرنامج ندوات فكرية تهتم بـ " حوار الحضارات والتنوع الثقافي " و " حضور الإسلام والحضارة العربية في شمال المتوسط "، ومعارض حول " التراث المعماري القيرواني " و " أعلام القيروان "، وعروض مسرحية وسينمائية وأمسيات شعرية.ومن أبرز الفعاليات الثقافية التي تشهدها تونس في العام 2009 كذلك الاحتفاء بمئوية المسرح التونسي ومئوية الشاعر التونسي الكبير أبو القاسم الشابي، إذ انطلقت الاحتفالية بمئوية الشابي في 24 فبراير/شباط على أن تختتم في 9 أكتوبر/تشرين الأول. لقد وُلد الشابي في سنة 1909 وتوفي في سنة 1934، وأنتج أشعاره التي خلَّدته في أقل من عشر سنوات وبينها بالخصوص قصيدته ذائعة الصيت لدى كل العرب " إرادة الحياة ".
كما أنّ الدورة الثالثة والعشرين من مهرجان علي بن عياد للمسرح، التي اختتمت فعالياتها في أواخر فبراير/شباط الماضي، تزامنت هذه السنة مع مئوية المسرح التونسي. إذ يعتبر بن عياد (1930 ـ 1972)، رائد المسرح التونسي، ومن أهم أعماله المسرحية " أوديب الملك " 1958 و " كاليغولا " 1962 و " مدرسة النساء " 1963 و " عطيل " و " البخيل " 1964 و " مراد الثالث " 1968.
ولعله من المهم أن نؤكد أنّ اختيار القيروان مدينة للثقافة الإسلامية لم يكن من فراغ، وإنما بسبب شهرتها ومكانتها التاريخية، وقد اقترن اسمها ببداية الحضارة العربية - الإسلامية في المغرب العربي. ولعل ما يعني تونس اليوم هو: كيف تؤسس لخطاب حول الهوية الثقافية التونسية، ذات العمق العربي – الإسلامي، يندرج في إطار مشروع الانفتاح والحداثة، خصوصا أنّ التاريخ الحديث لتونس قد امتاز بخاصية استثنائية جعلته من أكثر المجتمعات العربية قدرة على إنتاج الأفكار الرائدة والتنويرية والسباقة والمتقدمة على عصرها.
تونس في 1/3/2009 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(+) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 5/3/2009