صبيحة أنابوليس: هرولة الإعتدال ولهاث الممانعة
صبحي حديدي
30/11/2007
ليس من اليسير أن يجزم المرء في أيّ القولَين أشدّ، أو أقلّ، طعناً في الصميم: عبارة أشباه الرجال التي أطلقها بشار الأسد في أعقاب حرب تموز (يوليو) 2006 الإسرائيلية ضدّ الشعب اللبناني عموماً و حزب الله خاصة ، في وصف بعض الزعماء العرب من غير الممانعين وغير المقاومين؛ أو عبارة عديمي العقل التي اطلقها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في وصف الذاهبين إلي ملتقي أنابوليس (حيث ينبغي أن يشمل التوصيف الاسد نفسه، بافتراض أنّ المندوب السوري إلي الملتقي،نائب وزير الخارجية فيصل المقداد، يمثّل الرئاسة السورية أايضاً، قبل تمثيل رئيسه المباشر وليد المعلّم). اليسير، في المقابل، هو ما نقلته وكالة الأنباء الإيرانية إرنا ، من أنّ نجاد اتصل بالأسد عشية أنابوليس، وأنهما اتفقا علي أن المؤتمر تافه أوّلاً، و محكوم بالفشل ثانياً.السؤال البسيط، الذي ينتمي إلي طراز الأسئلة التي تصير مكرورة من فرط طرحها دون أن تفقد الكثير من مغزي إعادة طرحها في كلّ سانحة ذات صلة، هو التالي: لماذا شارك النظام السوري، إذاً، في مؤتمر تافه و محكوم عليه بالفشل ، لا يحضره إلا عديمو العقل أو، وفي صيغة أخري رسمية لعبارة أحمدي نجاد: أدعياء لا يتمتعون بالذكاء السياسي ؟ الإجابة من طينة السؤال في ما يخصّ التكرار واستمرار المغزي: لأنّ هذا النظام لم يتوقف عن ممارسة الدجل والديماغوجيا في كلّ ما يتصل بعلاقته بالولايات المتحدة والدولة العبرية من جهة، وكلّ ما يتصل بأكذوبة الممانعة والمقاومة والصمود والتصدّي من جهة ثانية. وإذا كان رأس النظام قد تنصّل من حرج التعليق علي مسخرة المشاركة في أنابوليس، واقتدي به وزير خارجية النظام، فإنّ المقداد امتشق كلّ ما تعلّمه من أحابيل دبلوماسية ـ لفظية ـ بهلوانية خلال سنوات عمله في الأمم المتحدة، لكي يقول التالي عن هذه المشاركة: خطوة إضافية من جانب سورية، للمساهمة في صنع سلام عادل وشامل ... وكيف كان له أن يقول أكثر، أو أقلّ!والحال أنّ أحمدي نجاد أصاب تماماً هذه المرّة، علي ندرة ما يفعل عادة، حين استخدم صفة التفاهة في تشخيص ملتقي أنابوليس: تفاهة التحضيرات مثل تفاهة الإستعراض، وتفاهة الأدوار التي أنيطت بشهود الزور (أكثر من 45، يمثّلون دولاً مستقلة ومنظمات وهيئات دولية)، وصولاً إلي تفاهة ما توصّل إليه اللاعبان المدللان، الرئيس الفلسطيني ورئيس الوزراء الإسرائيلي. وفي ما يخصّ خطبة محمود عباس، لا يُعاب علي المرء أن يتذكّر الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، أياً كانت مثالبه الشخصية والسياسية والتفاوضية، وشتّان بين هذه الذرائعية الهلامية التي انتهجها عباس في أنابولي
س، وذلك التمسّك الحرون بأبجديات الحقّ الفلسطيني التي لم يحد عنها الختيار حتي في أقصي مراحل الضغط الأمريكي والدولي والعربي.وحين بلغت تفاصيل التسوية حافة الخطوط الحمراء ما قبل حقوق الشعب الفلسطيني الأساسية، خصوصاً القدس وحقّ العودة والإستيطان وحدود الدولة الفلسطينية، قال عرفات لا مدويّة ثابتة راسخة و... مدهشة، في الواقع، لأنها صدرت عن رجل مولع بـ سلام الشجعان دون سواه! ولقد استحقّ سخط واشنطن مذاك، ثم تكفّل المجتمع الإسرائيلي بانتخاب أرييل شارون لكي يذيق عرفات المزيد من ألوان الضغط والمهانة والعزل والحصار (وربما الاغتيال البطيء)، وفي غضون السيرورة بأسرها كان النظام العربي يُجْهز علي ما قد يتبقي في نفس الرجل من علائم أمل ومظاهر صمود. قال لا حين كانت الـ نعم هي المنجاة والإجابة الوحيدة في آن، ولو أحني الهامة فلعلّنا ما كنّا أبصرناه ميتاً محمولاً علي نقّالة طبيّة فرنسية، وما كان سيلزم المقاطعة محاصَراً، والأرجح أنه كان سيواصل تجواله في عواصم العالم، علي متن طائرة أفضل وأحدث، معززاً مكرّماً مدللاً أكثر بكثير من كلّ أقرانه الحكّام العرب، الذين مسحوا أرقام هاتفه في رام الله، راغبين أو مُكرهين! وإذا كانت الأمور تفصح عن مخبوئها من مطالعها، وبالتالي لا يحتاج المرء إلي انتظار الخواتيم، فإنه ليس من الصواب اعتماد نسق التفكير الآلي الذي يقول إنّ الوقت مبكر للحكم بالفشل علي نتائج ملتقي أنابوليس، لا لشيء إلا لأنّ فكرة النجاح أو الفشل لا تبدو وكأنها اقترنت بهذا الإجتماع في الأساس (إلا، بالطبع، إذا اعتبر البعض أن احتشاد ممثّلي 16 دولة عربية، فضلاً عن الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، للاستماع إلي رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني، هو في حدّ ذاته نجاح باهر). كان الحشد بصفته هذه ـ ومعه، وفي سياقاته، احتشاد رموز الصورة واللفظ ولغة الجسد، وكسر المزيد من محرّمات التطبيع ـ هو المطلوب أوّلاً في أنابوليس، وهذا ما تحقّق... دون كبير عناء في الواقع، ودون أخذ وردّ ممّا يترافق عادة مع لقاءات كهذه (باستثناء تمنّع النظام السوري الذي تبيّن سريعاً أنه إلي التمنّي أقرب!).كذلك ليس من المبكّر، في الحال هذه، الحكم علي لقاء أنابوليس بالتفاهة في مقاربة المسائل الكبري التي تحكم المسار الفلسطيني ـ الإسرائيلي (وهي التي استقرّت في المصطلح السائر تحت مسمّي قضايا الوضع النهائي )، سواء في جولة الإنطلاق الإبتدائية الإستعراضية هذه، أو في تباشير الجولات اللاحقة التي يلوح أنّ بعضها يولد ميتاً، وبعضها يسير كسيحاً، وبعضها الثالث في مكانه يراوح. وفي المقابل، علي الصعيد الإسرائيلي، ليس من المبكر استشراف ما ستنجح الدولة العبرية في اقتطافه من نتائج لاحقة، متكئة علي هذا التفويض الدولي الواسع الذي تغنّي به الرئيس الأمريكي جورج بوش مراراً في خطبته (ثمة مَن يتحدّث، منذ الآن، عن خطة إسرائيلية متفق عليها مع عباس، لإعادة اجتياح غزّة وتصفية حماس عسكرياً، تمهيداً لتطويقها سياسياً).المقابل علي الصعيد الأمريكي هو قرار تسمية الجنرال المتقاعد جيمس جونز، القائد الأعلي السابق لقوات الحلف الأطلسي في أوروبا، موفداً دائماً إلي الشرق الأوسط لمراقبة الشؤون الأمنية، كما يقول العنوان العريض لمهمته. أمّا جوهر المهمة فقد أوضحه شون ماكورماك، الناطق باسم وزارة الخارجية، حين أعلن أنّ الجنرال سوف يشرف شخصياً علي أداء أجهزة الأمن الفلسطينية وحسن تفاعلها مع أجهزة الأمن المجاورة (بما في ذلك الأجهزة الإسرائيلية) في كلّ ما يخصّ مجابهة المنظمات الإرهابية ونزع السلاح غير المرخّص. ورغم وجود جنرال أمريكي آخر، كيث دايتون، يتولي مهامّ ضابط الإرتباط بين أجهزة الأمن الإسرائيلية والفلسطينية، فإنّ رايس لم تتحرّج من تناسي هذه الحقيقة أثناء تقريظ الجنرال الجديد: أعتقد أننا بحاجة إلي قائد مجرّب يستطيع التعاطي مع التحديات الأمنية في المنطقة، بشكل شامل وعلي أعلي المستويات ... وكأنّ دايتون كان يؤدّي وظيفته في أخفض المستويات! الجانب الثالث في تفاهة المقدّمات، وهو في الآن ذاته يصف تفاهة ما ستسفر عنه من نتائج، هو أنّ الأجندة المضمرة لملتقي أنابوليس، كما أشارت وتشير معطيات عديدة، تتضمن بنداً رديفاً، أو لعلّه أساسيّ، هو تقديم رشوة شكلانية ـ ولكنها صاخبة إستعراضية بهلوانية ـ للإعتدال العربي الذي تمثّله أنظمة التبعية والعجز والإستبداد. وبغية الراشي، الأمريكي، هي توفير التغطية الديماغوجية (وما أفضل من القضية الفلسطينية لاستيلاد الخطاب الديماغوجي!) لتجنيد زعماء العرب، أشباه الرجال وعديمي العقل سواء بسواء، في الصفوف الخلفية، قبيل اتخاذ أيّ قرار أمريكي بالتعاطي العسكري مع إيران. غير أنّ أية عملية عسكرية ضدّ إيران لن تُدفع أثمانها الأولي في أمكنة أخري غير بغداد وبيروت وغزة، لكي لا يتحدّث المرء عن فتنة سنّية ـ شيعية هنا وهناك في مناطق الخليج العربي، الشرقية منها خصوصاً. ومن هنا يمكن تأطير الإتصالات السعودية ـ الإيرانية علي أعلي المستويات، بين الملك عبد الله بن عبد العزيز وأحمدي نجاد، التي جرت قبيل انعقاد أنابوليس، حيث بدا إصرار الرئيس الإيراني علي إحراج زميله السعودي (في التصريح، علناً، بأنّ المملكة لا تنوي اتخاذ أيّ إجراء تطبيعي مع الدولة العبرية، ويهمّها إعلام إيران بهذا) بمثابة كشف استباقي لما قد تحمله الأيام القادمة من كيل أنظمة الاعتدال العربي بمكيال الولاء لأمريكا وصداقة إيران، في آن معاً. ذلك لأنّ الملفات التي صارت في عهدة إيران، أو تكاد، في العراق ولبنان وفلسطين، ليست مرشحة لنهايات قريبة تشهد إغلاقها كليّاً أو جزئياً، بل تشير المعطيات إلي أنّ أيّ إغلاق لأيّ منها لن يتمّ بمنأي عن عواقب وخيمة كارثية.وفي هذا الصدد، بخصوص جانب رابع في تفاهة أنابوليس، هو مبدأ إشاعة الديمقراطية عن طريق التصدير أو الإيفاد فوق ظهر دبابة او قاذفة او حاملة طائرات، بدا خطاب الرئيس الأمريكي في استئناف الكليشيهات العتيقة المكرورة الجوفاء، وكأنه لا يكترث حتي بتبديد ضجر مستمعيه! أفضل ما أنتجته هذه الإدارة، بمعني أنه الأكثر نفاقاً ورياء وزيفاً، كانت كوندوليزا رايس قد قدّمته قبل أكثر من سنتين، ضمن محاضرة شهيرة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة. آنذاك مزجت رايس بين الفكر والفلسفة والسياسة والتبشير، وبين نقد الماضي والرجم بالغيب عن المستقبل، وبين الترهيب والتغريب سواء في ما يخصّ الحاكم العربي (والحلفاء في القاهرة والرياض تحديداً) أو ما يخصّ شعوب المنطقة إجمالاً.وكانت بعض فقرات تلك المحاضرة قد انطوت علي كلمات وعبارات من النوع الوردي الزاهي الباسم المشرق، الذي ردّد بوش الكثير من أصدائه في خطبته أمام حشد أنابوليس: إنّ الخوف من الخيارات الحرّة لا يمكن أن يكون بعد الآن مبرراً لرفض الحرية ، أو: هناك مَن يقولون إنّ الديمقراطية تقود إلي الفوضي والصراع والإرهاب، والحقيقة أنّ العكس هو الصحيح: إنّ الحرية والديمقراطية تشكلان الفكر الوحيد الذي يملك قوّة التغلّب علي الكراهية والإنقسام والعنف . وإذا كانت رايس قد بدأت من الانتخابات الحرّة النزيهة (التي سرعان ما انقلبت الإدارة ضدّها في فلسطين!)، فإنها أبرزت سلسلة حقوق أساسية لجميع المواطنين، بينها الحقّ في حرّية الكلام، والإجتماع، والعبادة كما يشاء المرء، وتعليم الأبناء، ذكوراً وإناثاً، والتحرّر من زوّار منتصف الليل التابعين للبوليس السرّي !وتبقي هذه الفقرة ذات المغزي الكبير: طيلة 60 سنة بحثت بلادي، الولايات المتحدة، عن الإستقرار علي حساب الديمقراطية في هذه المنطقة، هنا في الشرق الأوسط، ولم ننجز أيّاً منهما. الآن نحن نتخذ مساراً مختلفاً. نحن ندعم الطموحات الديمقراطية لكلّ الشعوب (...) ويمكن العثور علي هؤلاء الوطنيين المتعطشين للحرّية في بغداد وبيروت، في الرياض ورام الله، في عمّان وطهران، وهنا في القاهرة تحديداً . رايس أغفلت، آنذاك، ذكر عاصمة بلد عربي لا يقلّ أبناؤه تعطشاً للحرّية عن مواطني العراق ولبنان والسعودية وفلسطين والأردن وإيران ومصر، العاصمة السورية دمشق، وبوش اليوم أغفل ذكر الجولان السوري المحتلّ، وكأنه ليس محتلاً، أو ربما ليس علي خريطة التفاوض. ولماذا تفعل رايس، ويفعل بوش، إذا كان النظام السوري ينضوي، لاهثاً، في ركب المهرولين إلي أنابوليس... حتي من دون رشوة؟
30/11/2007
ليس من اليسير أن يجزم المرء في أيّ القولَين أشدّ، أو أقلّ، طعناً في الصميم: عبارة أشباه الرجال التي أطلقها بشار الأسد في أعقاب حرب تموز (يوليو) 2006 الإسرائيلية ضدّ الشعب اللبناني عموماً و حزب الله خاصة ، في وصف بعض الزعماء العرب من غير الممانعين وغير المقاومين؛ أو عبارة عديمي العقل التي اطلقها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في وصف الذاهبين إلي ملتقي أنابوليس (حيث ينبغي أن يشمل التوصيف الاسد نفسه، بافتراض أنّ المندوب السوري إلي الملتقي،نائب وزير الخارجية فيصل المقداد، يمثّل الرئاسة السورية أايضاً، قبل تمثيل رئيسه المباشر وليد المعلّم). اليسير، في المقابل، هو ما نقلته وكالة الأنباء الإيرانية إرنا ، من أنّ نجاد اتصل بالأسد عشية أنابوليس، وأنهما اتفقا علي أن المؤتمر تافه أوّلاً، و محكوم بالفشل ثانياً.السؤال البسيط، الذي ينتمي إلي طراز الأسئلة التي تصير مكرورة من فرط طرحها دون أن تفقد الكثير من مغزي إعادة طرحها في كلّ سانحة ذات صلة، هو التالي: لماذا شارك النظام السوري، إذاً، في مؤتمر تافه و محكوم عليه بالفشل ، لا يحضره إلا عديمو العقل أو، وفي صيغة أخري رسمية لعبارة أحمدي نجاد: أدعياء لا يتمتعون بالذكاء السياسي ؟ الإجابة من طينة السؤال في ما يخصّ التكرار واستمرار المغزي: لأنّ هذا النظام لم يتوقف عن ممارسة الدجل والديماغوجيا في كلّ ما يتصل بعلاقته بالولايات المتحدة والدولة العبرية من جهة، وكلّ ما يتصل بأكذوبة الممانعة والمقاومة والصمود والتصدّي من جهة ثانية. وإذا كان رأس النظام قد تنصّل من حرج التعليق علي مسخرة المشاركة في أنابوليس، واقتدي به وزير خارجية النظام، فإنّ المقداد امتشق كلّ ما تعلّمه من أحابيل دبلوماسية ـ لفظية ـ بهلوانية خلال سنوات عمله في الأمم المتحدة، لكي يقول التالي عن هذه المشاركة: خطوة إضافية من جانب سورية، للمساهمة في صنع سلام عادل وشامل ... وكيف كان له أن يقول أكثر، أو أقلّ!والحال أنّ أحمدي نجاد أصاب تماماً هذه المرّة، علي ندرة ما يفعل عادة، حين استخدم صفة التفاهة في تشخيص ملتقي أنابوليس: تفاهة التحضيرات مثل تفاهة الإستعراض، وتفاهة الأدوار التي أنيطت بشهود الزور (أكثر من 45، يمثّلون دولاً مستقلة ومنظمات وهيئات دولية)، وصولاً إلي تفاهة ما توصّل إليه اللاعبان المدللان، الرئيس الفلسطيني ورئيس الوزراء الإسرائيلي. وفي ما يخصّ خطبة محمود عباس، لا يُعاب علي المرء أن يتذكّر الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، أياً كانت مثالبه الشخصية والسياسية والتفاوضية، وشتّان بين هذه الذرائعية الهلامية التي انتهجها عباس في أنابولي
س، وذلك التمسّك الحرون بأبجديات الحقّ الفلسطيني التي لم يحد عنها الختيار حتي في أقصي مراحل الضغط الأمريكي والدولي والعربي.وحين بلغت تفاصيل التسوية حافة الخطوط الحمراء ما قبل حقوق الشعب الفلسطيني الأساسية، خصوصاً القدس وحقّ العودة والإستيطان وحدود الدولة الفلسطينية، قال عرفات لا مدويّة ثابتة راسخة و... مدهشة، في الواقع، لأنها صدرت عن رجل مولع بـ سلام الشجعان دون سواه! ولقد استحقّ سخط واشنطن مذاك، ثم تكفّل المجتمع الإسرائيلي بانتخاب أرييل شارون لكي يذيق عرفات المزيد من ألوان الضغط والمهانة والعزل والحصار (وربما الاغتيال البطيء)، وفي غضون السيرورة بأسرها كان النظام العربي يُجْهز علي ما قد يتبقي في نفس الرجل من علائم أمل ومظاهر صمود. قال لا حين كانت الـ نعم هي المنجاة والإجابة الوحيدة في آن، ولو أحني الهامة فلعلّنا ما كنّا أبصرناه ميتاً محمولاً علي نقّالة طبيّة فرنسية، وما كان سيلزم المقاطعة محاصَراً، والأرجح أنه كان سيواصل تجواله في عواصم العالم، علي متن طائرة أفضل وأحدث، معززاً مكرّماً مدللاً أكثر بكثير من كلّ أقرانه الحكّام العرب، الذين مسحوا أرقام هاتفه في رام الله، راغبين أو مُكرهين! وإذا كانت الأمور تفصح عن مخبوئها من مطالعها، وبالتالي لا يحتاج المرء إلي انتظار الخواتيم، فإنه ليس من الصواب اعتماد نسق التفكير الآلي الذي يقول إنّ الوقت مبكر للحكم بالفشل علي نتائج ملتقي أنابوليس، لا لشيء إلا لأنّ فكرة النجاح أو الفشل لا تبدو وكأنها اقترنت بهذا الإجتماع في الأساس (إلا، بالطبع، إذا اعتبر البعض أن احتشاد ممثّلي 16 دولة عربية، فضلاً عن الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، للاستماع إلي رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني، هو في حدّ ذاته نجاح باهر). كان الحشد بصفته هذه ـ ومعه، وفي سياقاته، احتشاد رموز الصورة واللفظ ولغة الجسد، وكسر المزيد من محرّمات التطبيع ـ هو المطلوب أوّلاً في أنابوليس، وهذا ما تحقّق... دون كبير عناء في الواقع، ودون أخذ وردّ ممّا يترافق عادة مع لقاءات كهذه (باستثناء تمنّع النظام السوري الذي تبيّن سريعاً أنه إلي التمنّي أقرب!).كذلك ليس من المبكّر، في الحال هذه، الحكم علي لقاء أنابوليس بالتفاهة في مقاربة المسائل الكبري التي تحكم المسار الفلسطيني ـ الإسرائيلي (وهي التي استقرّت في المصطلح السائر تحت مسمّي قضايا الوضع النهائي )، سواء في جولة الإنطلاق الإبتدائية الإستعراضية هذه، أو في تباشير الجولات اللاحقة التي يلوح أنّ بعضها يولد ميتاً، وبعضها يسير كسيحاً، وبعضها الثالث في مكانه يراوح. وفي المقابل، علي الصعيد الإسرائيلي، ليس من المبكر استشراف ما ستنجح الدولة العبرية في اقتطافه من نتائج لاحقة، متكئة علي هذا التفويض الدولي الواسع الذي تغنّي به الرئيس الأمريكي جورج بوش مراراً في خطبته (ثمة مَن يتحدّث، منذ الآن، عن خطة إسرائيلية متفق عليها مع عباس، لإعادة اجتياح غزّة وتصفية حماس عسكرياً، تمهيداً لتطويقها سياسياً).المقابل علي الصعيد الأمريكي هو قرار تسمية الجنرال المتقاعد جيمس جونز، القائد الأعلي السابق لقوات الحلف الأطلسي في أوروبا، موفداً دائماً إلي الشرق الأوسط لمراقبة الشؤون الأمنية، كما يقول العنوان العريض لمهمته. أمّا جوهر المهمة فقد أوضحه شون ماكورماك، الناطق باسم وزارة الخارجية، حين أعلن أنّ الجنرال سوف يشرف شخصياً علي أداء أجهزة الأمن الفلسطينية وحسن تفاعلها مع أجهزة الأمن المجاورة (بما في ذلك الأجهزة الإسرائيلية) في كلّ ما يخصّ مجابهة المنظمات الإرهابية ونزع السلاح غير المرخّص. ورغم وجود جنرال أمريكي آخر، كيث دايتون، يتولي مهامّ ضابط الإرتباط بين أجهزة الأمن الإسرائيلية والفلسطينية، فإنّ رايس لم تتحرّج من تناسي هذه الحقيقة أثناء تقريظ الجنرال الجديد: أعتقد أننا بحاجة إلي قائد مجرّب يستطيع التعاطي مع التحديات الأمنية في المنطقة، بشكل شامل وعلي أعلي المستويات ... وكأنّ دايتون كان يؤدّي وظيفته في أخفض المستويات! الجانب الثالث في تفاهة المقدّمات، وهو في الآن ذاته يصف تفاهة ما ستسفر عنه من نتائج، هو أنّ الأجندة المضمرة لملتقي أنابوليس، كما أشارت وتشير معطيات عديدة، تتضمن بنداً رديفاً، أو لعلّه أساسيّ، هو تقديم رشوة شكلانية ـ ولكنها صاخبة إستعراضية بهلوانية ـ للإعتدال العربي الذي تمثّله أنظمة التبعية والعجز والإستبداد. وبغية الراشي، الأمريكي، هي توفير التغطية الديماغوجية (وما أفضل من القضية الفلسطينية لاستيلاد الخطاب الديماغوجي!) لتجنيد زعماء العرب، أشباه الرجال وعديمي العقل سواء بسواء، في الصفوف الخلفية، قبيل اتخاذ أيّ قرار أمريكي بالتعاطي العسكري مع إيران. غير أنّ أية عملية عسكرية ضدّ إيران لن تُدفع أثمانها الأولي في أمكنة أخري غير بغداد وبيروت وغزة، لكي لا يتحدّث المرء عن فتنة سنّية ـ شيعية هنا وهناك في مناطق الخليج العربي، الشرقية منها خصوصاً. ومن هنا يمكن تأطير الإتصالات السعودية ـ الإيرانية علي أعلي المستويات، بين الملك عبد الله بن عبد العزيز وأحمدي نجاد، التي جرت قبيل انعقاد أنابوليس، حيث بدا إصرار الرئيس الإيراني علي إحراج زميله السعودي (في التصريح، علناً، بأنّ المملكة لا تنوي اتخاذ أيّ إجراء تطبيعي مع الدولة العبرية، ويهمّها إعلام إيران بهذا) بمثابة كشف استباقي لما قد تحمله الأيام القادمة من كيل أنظمة الاعتدال العربي بمكيال الولاء لأمريكا وصداقة إيران، في آن معاً. ذلك لأنّ الملفات التي صارت في عهدة إيران، أو تكاد، في العراق ولبنان وفلسطين، ليست مرشحة لنهايات قريبة تشهد إغلاقها كليّاً أو جزئياً، بل تشير المعطيات إلي أنّ أيّ إغلاق لأيّ منها لن يتمّ بمنأي عن عواقب وخيمة كارثية.وفي هذا الصدد، بخصوص جانب رابع في تفاهة أنابوليس، هو مبدأ إشاعة الديمقراطية عن طريق التصدير أو الإيفاد فوق ظهر دبابة او قاذفة او حاملة طائرات، بدا خطاب الرئيس الأمريكي في استئناف الكليشيهات العتيقة المكرورة الجوفاء، وكأنه لا يكترث حتي بتبديد ضجر مستمعيه! أفضل ما أنتجته هذه الإدارة، بمعني أنه الأكثر نفاقاً ورياء وزيفاً، كانت كوندوليزا رايس قد قدّمته قبل أكثر من سنتين، ضمن محاضرة شهيرة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة. آنذاك مزجت رايس بين الفكر والفلسفة والسياسة والتبشير، وبين نقد الماضي والرجم بالغيب عن المستقبل، وبين الترهيب والتغريب سواء في ما يخصّ الحاكم العربي (والحلفاء في القاهرة والرياض تحديداً) أو ما يخصّ شعوب المنطقة إجمالاً.وكانت بعض فقرات تلك المحاضرة قد انطوت علي كلمات وعبارات من النوع الوردي الزاهي الباسم المشرق، الذي ردّد بوش الكثير من أصدائه في خطبته أمام حشد أنابوليس: إنّ الخوف من الخيارات الحرّة لا يمكن أن يكون بعد الآن مبرراً لرفض الحرية ، أو: هناك مَن يقولون إنّ الديمقراطية تقود إلي الفوضي والصراع والإرهاب، والحقيقة أنّ العكس هو الصحيح: إنّ الحرية والديمقراطية تشكلان الفكر الوحيد الذي يملك قوّة التغلّب علي الكراهية والإنقسام والعنف . وإذا كانت رايس قد بدأت من الانتخابات الحرّة النزيهة (التي سرعان ما انقلبت الإدارة ضدّها في فلسطين!)، فإنها أبرزت سلسلة حقوق أساسية لجميع المواطنين، بينها الحقّ في حرّية الكلام، والإجتماع، والعبادة كما يشاء المرء، وتعليم الأبناء، ذكوراً وإناثاً، والتحرّر من زوّار منتصف الليل التابعين للبوليس السرّي !وتبقي هذه الفقرة ذات المغزي الكبير: طيلة 60 سنة بحثت بلادي، الولايات المتحدة، عن الإستقرار علي حساب الديمقراطية في هذه المنطقة، هنا في الشرق الأوسط، ولم ننجز أيّاً منهما. الآن نحن نتخذ مساراً مختلفاً. نحن ندعم الطموحات الديمقراطية لكلّ الشعوب (...) ويمكن العثور علي هؤلاء الوطنيين المتعطشين للحرّية في بغداد وبيروت، في الرياض ورام الله، في عمّان وطهران، وهنا في القاهرة تحديداً . رايس أغفلت، آنذاك، ذكر عاصمة بلد عربي لا يقلّ أبناؤه تعطشاً للحرّية عن مواطني العراق ولبنان والسعودية وفلسطين والأردن وإيران ومصر، العاصمة السورية دمشق، وبوش اليوم أغفل ذكر الجولان السوري المحتلّ، وكأنه ليس محتلاً، أو ربما ليس علي خريطة التفاوض. ولماذا تفعل رايس، ويفعل بوش، إذا كان النظام السوري ينضوي، لاهثاً، في ركب المهرولين إلي أنابوليس... حتي من دون رشوة؟------------------------------------
الرحيل إلى المجهول ــ تدمر 7 ــ
آرام كربيت
زمننا قاس ٍ.. متعبٍ ومضجر.
بقيت في مكاني فترة طويلة, منتظراً أن يفرغوا من جلد رفاقي وأخوتي، مستظلاً بالصمت المقيد والساخر, ساخراً من روحي المتيقظة.. المتملمة.. المغلوب على أمرها. اختلس النظرلما يجول حولي من شعور غامض. شعور مغلف بالتوترالمقلق الذي يداهمي بين البرهة والآخرى. البرد والخوف والإحساس بالتشظي الموقد يزرع أنفاسه عند مخدة روحي, منتظراً سنونوات الوقت أن تمر بسرعة.
الهواء المغموس بعجينة الشتاء يرمي بزاده في جوفي. مفاصلي تنمل, تتخدر رويداً رويدا وأنا أعيش في هموم الصمت والعزلة والغربة والمكان العاري.
أخذ خدرالألم الممهور بالوجع يجري من الأسفل الى الأعلى. يبدأ من القدمين الثابتتين, يجري الهوينة.. الهوينة الى الساقين, يرتفع ويمتد إلى الركبة فالفخذ ثم إلى أن يتجمد في المفاصل. يأخذ الدم فسحته, درزته البطيئة في التخثر, يسيرفي حركة جريانية ثقيلة عبرالأوعية الدموية المتقدة.
تمايلت قليلا,ً ثم حاولت مرة أخرى أن أقف على قدمي. استندت على شاطئ الجدار المائل بكل قواي, فارشاً راحة يدي عليه. رحت أحرك قدمي ببطء شديد من أجل تمرير الدم ونقل كميات الألم إلى مطارح أخرى من الجسد والبحث عن
أماكن أخرى لتبديده.كنا بين أيدي الجلاد, كالشموع النازفة, شموع تودع دمها السائح فوق أفق المحطات المتنقلة. شموع ذابلة ترسم لون نزيفها على المراكب المهجورة والبعيدة.
عيوني وعيون رفاقي لم ترالنوم في هذه الأماسي المأسورة. الأجفان متيقظة.. متوثبة ونشطة بفعل الانشطارات الليلية الطويلة والانفعالات الموجعة. كنا في حالة تحفزلما تخبئه قريحة النهارمن ابتهالات موسمية جديدة معبأة في لفائف مغروزة في عب الجلاد.
قال الشرطي سليل اللصوص وقطاع الطرق بلهجة قاسية وأمرة:
ـ قف مكانك يا حشرة!
وقف الجميع بذبول أخرس, موزعي النظرات الذابلة كالهياكل المهجورة.
كانوا قد أنتهوا من جلدنا للتو.
حملوا أمتعتهم وأدوات عملهم: الكوابل المغمسة بالدم.. الدولاب.. القارس والمرسة وبقية لوازم التعذيب.
كانت الرياح تعصف في الخلاء, تطلق عواءً أصفراللون, يحوزعلى المطلق, شكله سديمي المرمى, في أحشائه صفيراً حاداً, قادماً من السماء النائمة فوق حضن الليل, يدخل بأزدراء إلى داخل الإلغازالكبيرة.
عاد الصوت القذريتكلم بلهجته القديمة:
ـ أدخلوا إلى المهجع بسرعة يا قردة.
تمايلنا يميناً وشمالاً, سرنا بأتجأه المهجع, ننثرالرمال والحصى برؤوس أصابعنا, ندوس عليهم متجاوزين حرارة البرد.. نسير تحت ثقل وطاة الخوف الذي يشدنا إلى طريق الرحيل. ما أن دخلنا حتى أعاد الكرة مرة أخرى:
ـ عصب عينيك جيداً يا أبن الشرمو.. شتائم.. وشتائم. ثم قال:
ـ لاتتحرك من مكانك.
رحنا نعصب أعيننا بالأقمشة المتوفرة لدينا, نجهزأجسادنا لتنهش بأسنانهم الملوثة والحادة. راح الشرطي يجعربصوت عالي مرة أخرى:
ـ أسرع من هيك يا أبن المنيو.. شتائم بالجملة والمفرق. ثم ردد:
ـ أحمل ثيابك وفراشك على ظهرك وتقدم إلى الأمام.. إلى عندي. أسرع من هيك يا أبن المنيو.. أسرع من البرق يا أبن الشرمو.. شتائم بكل الألفاظ.
حملنا أمتعتنا.. الثياب المرمية على الأرض, الأحذية واللحف والبطانيات والعوازل على ظهورنا. كان الوقت صباحاً منهمراً على الدنيا كندف الثلج, يجروراءه سمت الشرق إلى أعالي السماء, ليحطها في الغرب, من أجل دحرجة الزمن الى الفلك الأخر.
وكانت الشمس أكثر وحشة وخيبة.
خيمت الأحمال الثقيلة على ظهورنا المائلة, تنخرضفافنا المترققة, لتصبح أكثر كمداً وهماً وأسى. تقافزنا بسرعة, بأتجاه الصوت السلطوي النافر, ووقفنا حيث توقف الصوت. طوقتنا الشرطة من كل الأتجاهات لدرجة أنهم حجبوا لون الضياء والضوء عن ضياء المكان.
الجسد الأعزل الممتهن, يعوم تحت فك المكان الخانق, كالفريسة الضعيفة بين براثن الطيورالجارحة. طيور قبيحة تنام على تخوم بيادر الدخان. قالها أبن سليل الطرائد:
ـ ضع يدك في مؤخرة بنطال الذي أمامك.
صارشهركانون شهر الوجع, مدمساً بالخطايا.. ضجراً من هذه التقاويم الليلية الطويلة, حزيناً على ألوانه ودموعه ووجهه الذي فقد بريقه الأسر. يبحث معي عن غشاوات ضيائه الخافتة. ينشج ويعصف هولاً, يند عن شفتيه الممتقعتين تأوهات حارة وزفرات حادة, ثم ينزوي في ركن بارد.
صارات أحمالنا مضاعفة.. أمتعة وعوازل ولحف وثياب مبعثرة وبطانيات مهترئة في يد وفي اليد الآخرى نمسك بنطال الذي أمامنا.
بدأت الدموع اليائسة لكانون تجف على وجهي وقامتي, تتفجر من عيني كشلال نظرات سارحة, رؤى حزينة, غارقة في الهمس الحزين.
كنت ألهث مثل رفاقي من التعب والخوف والألم والأنتظار. كدت أختنق من أنعدام الصوت في داخلي. عاد الصوت الخشن يخرش أذني ومسمعي:
ـ رأسك في الأرض. أبقيه في الأسفل.. لا ترفعه على الأطلاق يا أبن الشرمو..
ـ لا تلهثوا.. لا تتململوا ولا تصدروا أي صوت.. أنتم أموات!
كنا فرائس تائهة لا تعرف إلى أي مسلك وعر ستتجه, وإلى أي سخرية مرة سنسير, وماذا سينبثق وينبهق من بين عقولهم الملوثة بالنتانة.
النارالخامدة في داخلي دفعتني إلى السير تحت ثقل أوامرهم القاسية.كنت أخنق التمرد في داخلي, أخمده حتى لا يتكلم, مسكت صوتي بيدي, خنقته.. خنقت غضبي ويأسي حتى لا ينطق بكلمة أوحرف. كنت متأكداً.. بل كنت أعرف إنهم سيعذبونني ثم يقتلوني ببطئ شديد. لم أتكلم ولم أعترض لخوفي على نفسي وعلى الذين معي.
آه.. يا ليتني تكلمت أو صرخت أو لعنت, لكانت روحي أكثررفرفة, أكثر حرية, لكنت أكثرالتحاماً بنفسي وقدري. لكني لم أفعل ذلك, كنت ضعيفاً. إنها غلطة عمري. كان يجب أن أفعل ذلك, كان يجب أن أفعل ذلك من أجل أن أبقى أنساناً. حتى أكون كما يجب أن أكون وأرغب وأريد. لكنها أرادة الحياة وقسوتها.. أنها أرادة الحياة وجمالها وسطوتها علينا.
كنا عراة وحفاة وأحمالانا على ظهورنا, ننتظرأوامرالسلطان والسلطة المأكسدة والمتأكلة. روؤسنا منكسة, وظهورنا منحنية, وأقدامنا تنزف من الجراح المفتوحة من عدة جوانب. بينما البرد يلسعها ويتناغم مع المسالك الوعرة المتدحرجة عبرالأفق السكران. قالها صوت نكرة أبن نكرة من مكان ما:
ـ أمشي يا ديوس أبن الديوس.
ترافق هذا الصوت النحس مع الضرب المبرح. لقد تناول هذا الضرب, كل مطارح الجسد العاري من الأسفل إلى الأعلى, مروراً بالمؤخرة, من الجانبين، الرأس والوجه والأكتاف. أصوات كثيرة تختلط وتتداخل ببعضها عندما ينهال الكبل, كالشتائم والكروالفرواللعن والسب والتعامل معنا كأننا نحس منجوس.
حوامات من التيه تنتشروتلوح في حقول الأنهاك والتعب، تزداد لزوجة الجلد تحت الأقدام المقروصة من جراء البرد اللعين.
السيقان ترتجف من الأحمال الثقيلة، الجسد يتقزم ويتداخل مع بعضه وفي بعضه، وينكمش على نفسه مع كل ضربة، ثم يتمدد الألم ويفرش قدرته ونفسه على بقية الأمكنة. تعود الأذن تصيخ السمع لأنتظار الضربات القادمة.
تحت العصابة السوداء، حريق يلفح الجسد، من الأنهاك والتعب، يلهب التلافيف، وسط صمت طويل إلا صوت اللهاث والأنفاس المخنوقة والمكسورة، تعلو بسرعة وتهبط. ننحني تحت سطوة السلطان المقدس، المنتصب، المربوط كوتد متأرحج علواً ونزولاً. يأمرفتطاع جميع الأجساد الواقفة. يصرخ بعالي الصوت، يشتم مع ضحك رخيص ومجاني.
الأقدام العارية تنهب الارض نهباً، تدب عليها مع الأحمال الأضافية، على البحص والرمال المذببة، تتمزق ويتفصد منها الدم ويسيل بأنسياب مرن.
ـ أمشي يا أبن الشرمو.. لا تتثاقل في الحركة، لست في رحلة سياحية أو أستجمام.. لست في حضن أمك. تابع رحلة أنكسارك وهزيمتك. بينما ينهال الكبل على الظهر، يرتفع الصوت من مكان أخر، من شرطي مجاور:
ـ سنخرب الصوت الكامن في حلوقكم، لتجفوا وتموتوا وسط صمت أنينكم، الذي سيتمزق في حناجركم. وأضاف في لهجة حيادية مصطنعة:
ـ ستحرمون من الهواء والضوء، ستتحسرون لسماع صوت حفيف الأشجارأونغنغة طفل، هديرالبحرأو رائحة أمرأة عابرة. لن تسألوا أوتستفسروا بعد اليوم لأن الصوت الداخلي فيكم يكون قد مات تماماً. صوت شرطي أخريلعن بثقة وثبات:
ـ أمطرهم بالبصاق، أجثم على صدروهم.
القافلة الموجوعة تقترب من الممرالأكثرظلاماً. أصوات كثيرة تتعالى، تشتم بكل اللغات والألسن:
أرفع رجلك يا أبن الشرمو.. إلى الأعلى يا القحبة.. هش.. هش يا حمار. ثم يتابعون:
ـ أمشي يا أبن الزانية. جه.. جه. أرفقت بصوت واضح:
ـ قف عندك يا كديش.
مع كل خطوة على الرمال المذببة يصدح الألم في رأسي ويثورويطلق العنان لحواسي بالأستغاثة. روابي اللحم تطقطق تحتي وهي تمط الخطا السريعة عبر مصادمات مهتوكة مع الحركة والثقل والوزن الزائد.
لم أكن امتلك مصيري, لهذا كنت أرمي قدمي على غير هدى, أسيرعلى جراحي النازفة. تكبرمساحة اللحم المهروس وتكوى من صفيح النار الحامية القادمة من تلال الأرض المعوجة والنافرة, تدخل الجلد كالأبر المذببة. لكن الجسد يندفع في سيرانه تحت ثقل الخوف غير أبه لما يحدث في الملمات في الأسفل. الذهن مشحون ومسمراليقين, راحل إلى مطارح أخرى, يركزعلى الكوابل وهي توسع فجوات الأماكن الأكثرلهفة من أجل الهروب من الضرب على الرأس والرقبة والوجه المغطاة بالطماشة او العصابة الثقيلة. نتمايل ونتأوه ونندفع ونكمل الرحلة التي رسمتها لنا سلطة اللصوص وقطا
ع الطرق.بعد رحلة طويلة توقفنا في مكان ما.
ساد صمت خامد، طويل.
الباب يغلق الأن. صوت المزلاج يطق. طق. طق مرتين. المفتاح يخرج من القفل بتأن. الباب مغلق ومقفول. صوت الأغلاق ينذربأننا في الزنزانة من جديد. قال أحدنا:
ـ نحن في مهجع جديد يا أخوة وأصدقاء.. نحن أحرارإلى أشعارأخر. ضعوا احمالكم على الأرض.. وأرتاحوا قليلاً قبل أن يتفتق ذهن الأوباش عن شيئ جديد. ثم أردف:
ـ لنتنفس قليلاً من هواء الكون، نتصالح للحظات مع الزمن العابر والمتجدد، لنمسك الفضاء ونعجنه، نزرعه ثم نلونه. وأضاف:
ـ لنستفد من هذه المساحة الصغيرة من الحرية المسافرة, نلبس ثيابنا، نداوي جراحنا، أمراضنا والرضات التي خلفها القارس والدولاب، والبرد والأكبال.
وضعت أحمالي على الأرض ورحت أتنفس مثل غيري الصعداء. مشى كل واحد إلى جانب أغراضه المرمية، فتش عن حاجياته، أشياءه الخاصة المكومة فوق بعضها البعض بشكل مبعثر. أخذ كل واحد منا زاوية ورحنا نلبس ثيابنا على مهل وكل واحد يطلق من روحه زفرات الوجع والأنين.
تبدلت ملامح الوجوه بسرعة كبيرة. صارت أقرب إلى التشاءوم والخوف من المجهول.
ألقى حكمت وصفوان وغيرهم رؤوسهم وظهورهم على الجدار، مدوا أيديهم إلى الأمام، في حيرة وحسرة وتعب. يتنفسون بتقطع، الشهيق والزفيرمن الفم بسرعة، ينظرون إلى السد المغلق، الجدران القريبة من العين. بينما عمرومازن دخلوا إلى الحمام يراقبون المكان الجديد، يفتحون الحنفيات الصدئة والماء الصدء، والمرحاض الأزلي.
لملم كل واحد ثيابه في زاوية، وراح يصرها كبقجة. لقد صادروا الحقائب، وكل شيء له علاقة بالحياة، بأستثناء الحذاء والجوارب والألبسة.
مساحة الحرية ستضيق بعد الأن، تنحسروتضيع تحت هذا الظل القاتم.
الشراقة/ الفتحة في السقف/ هي المساحة..
والحرية.
تأفف أحدنا خافضاً وجهه وحاجبيه، تكلم من تحت لسانه وأسنانه:
ـ من هذه الشراقة ستتطايرالكلمات والبذاءات، رائحة السلطان وقذاراته. ثم قال:
من هذا المكان ستكون علاقتنا بضوء الشمس وضياء القمر، الهواء المتجدد والقديم، الهدوء والضجيج، الخيروالشر، الحياة وأسرارها، بؤسها وجمالها. من هذه الفتحة سينفث السلطان سمومه وسطوته.. لسانه السليط علينا.
من هذه الشراقة اللعينة سيلتقط أحدنا، يلسعه ويدس سمه فيه، يكزه ويزرع كلاباته في قلبه وروحه ثم يعيده ويتراجع بعد أن يكون قد حرق كل ذرة جميلة فيه.
سيهزالأرض والسقف بقدميه، سيدق السطح ويهز الجدران ويزلزل المكان والألوان وشريط البقاء. سيخرج الخوف من موضعه.. من شهوته ويدخله في أجسادنا، بعدها سينظرويبحث بعينيه اللأهثتين عن أضحية يتغدى بها. في لحظة السوداوية المرة رحت أقدرشكل السلطان الجديد, أقول:
ـ ربما لهذا السلطان عين واحدة في جبهته، أخمن ذلك. يتناول كل من يقع بين يديه ليمضغه قبل أن يلتهمه.. يجتره مرات ومرات، يسترجعه.. يعيده مرة وراء أختها إلى أن ينتهي منه ثم يعود إلى مخبئه. عندها يكون قد أرتوى من رائحة الدم، قبل أن يعود ويجلس مع هلوساته.
مازال النهار الكانوني في أوله، قال حكمت، الشمس تختفي وتعود, علينا أن نفعل شيئاً مفيداً.
وضعنا الكمادات، الماء البارد على أقدامنا حتى يتوقف النزف وتضمد الجراح.
رغم الخوف واليأس، يجب أن نبقى على قيد الحياة قالها مازن بصوت واضح.
ومضى كل واحد يراقب الأخر.
رحنا ننظر في وجوه بعضنا البعض بعد التغيرات الجديدة التي حدثت علينا بين ليلة وضحاها. نضع الاحتمالات المختلفة للسنون والأيام القادمة.
القسم الأكبرمنا لم يستطع أن يلبس الحذاء لأن الأقدام تورمت ولم يعد يتسعها الحذاء القديم كما أن سيالة الألم لم يسمح بالتمدد داخله. لهذا بقي الكثير منا فارداً قدميه أمامه إلى حين يهدأ الورم قليلاً.
ظل كل شيء معلقاً في الفضاء، الإرهاق الجسدي والمعنوي، الانقباض المسيطرعلى النفس والصدر، في حركة الشهيق والزفير، كالحمى تضغط، تطارد اضلاع الصدر وتنكمش، تترك النفس في حصار.
ـ لنفعل شيئاً!
قالها أحدنا مرة أخرى, ثم مشى على أطراف قدميه إلى أن وصل إلى السجائر. مد يده إلى السجائرالمتناثرة على البطانيات. أخذ كل مدخن سيجارة واحدة وأشعلها. رأيت أحدهم كيف يضغط عليها بأصابعه, كيف يضمها إلى شفتيه.. يمصها بقلق وتوتر, ماجاً المزيد من النيكوتين.
كنا أشبه بأستراحة محارب مهزوم ومتعب. كل واحد مستنداً على الجدار في زاوية لا يقوى على حمل جسده.
صمتُ برهة طويلة، محدقاً في الجدران منتظراً أجابات شافية من الآخرين. أنظر بتأمل في العيون المتعبة. وعند تيقني أن الصمت سيد الموقف سكتُ. لكن الصوت جاء من الطرف الأخر.. أقترب مني، نظر في عينيي ثم وجه كلامه للجميع قال:
ـ هل تتوقعون أن تكون معاملتنا بهذا السوء طوال السنوات القادمة من السجن. أجاب /م/ بطريقة حاسمة:
ـ لا تحلم في ظروف أحسن على الاطلاق. أنا أعرف هذا المكان.. هذا السجن! أعرفه من رفاق سبقونا إلى هذا المغطس المغمس بالقيح. ستبقى الصور المخيفة والمبعثرة مدفونة بيننا إلى حين رحيلنا من هنا.. هذا إذا رحلنا! سنبقى في هذه الإتجاهات المرعبة، سنبقى تحت سطوتهم.. سطوة أنصالهم المغروزة في جلودنا. الأمرسيطول، يجب أن لا تتوهموا غير ذلك. يجب أن نبدأ من الأن، يجب أن نفعل شيئ بأسرع وقت ممكن..
ـ ماذا عساك فاعل؟. رد أخر ساخراً.
ـ لدينا الكثير.. الكثير. أن نرفع رؤوسنا في وجوههم. نعم ما أقوله حقيقة. أن نرفع وجوهنا وعيوننا في عيونهم ووجوههم. أن نقول كلمتنا. كلمة لا، نصرخ، نصيح وبعدها الطوفان. يجب أن نرفع رؤوسنا وإلا ستبقى منطوية إلى الأسفل. رد عليه/ص/:
ـ أنها العاصفة يا أخي.. أنها العاصفة! ستمر.. ستمربسرعة, علينا أن ننحني قليلاً حتى تمر. لكن/م/ رد بسرعة:
ـ لا.. لا ليست عاصفة عابرة أو مؤقتة، أنها حالة، ظاهرة مستمرة, السكوت تعني نهايتنا.
ـ يجب عليك التذكريا أخي أن البطولة الحقيقية هو بقائنا على قيد الحياة.
ـ وما فائدة الحياة يا أصدقاء إذا كنا سنموت كل ثانية ودقيقية، كل لحظة. تذكروا جيداً أنكم بصمتكم ستسمحون لهم بالمزيد من التعذيب. تدخل /ش/ موجهاً كلامه للأخ المعترض ثم التفت إلى الجميع مشيراً إلى المرضى. قال:
ـ أنظر إليهم.. أغلب الرجال مرضى. أنظرإليهم جيداً. أنهم لا يقؤون على حمل أجسادهم. ثم تابع:
ـ هؤلاء. ثم أشارإليهم. أنهم لا يستطيعون تحمل الجوع في حال قمنا بالإضراب عن الطعام أو اعترضنا.
ـ لكنهم لن يوفروا أحداً. لهذا أقول إذا كنا سنتلقا الموت البطيء كل يوم، علينا أن نجهز أنفسنا، صوت واضح مضبوط الإيقاع، نقياً.. صافيا لا لبس به، صراخاً نظيفاً، عاليا مثل البروق وقت الربيع ليعقبها أمطار غريزة تغسل الارض والشجر، الزهر والطير. تدخل /ع/ وقال:
ـ تمهل قليلاً.. ثم أضاف.. تمهل. علينا أن لا نتهور في أتخاد القرارات الكبيرة والخطيرة. أننا ضعفاء. أقصد لا نملك الأرضية المناسبة التي تؤهلنا لمواجهة هذا المصيرالذي تتحدث عنه. بلع ريقه أكثر من مرة محركاً يديه صعوداً ونزولاً، جاعلاً حواسه في حالة ترقب واستنفار. ثم راح يتابع:
النهارالشتائي مفتوح على مفاجأت كثيرة كالسماء الواسعة والأمطار التي أتيت على ذكرها، نحن يا صديقي لا نستطيع أن نخمن ما يخبئه لنا القدر. تأفف صامتاً ومضى يقول:
علينا بالصبر والتحمل ونرى ما يجول في عقول السلطة القبيحة من حماقات وتهور. اليوم الشيطاني الأخرس يجب أن يحسب بدقة ويقاس بأنفاس هادئة.
تضرجت ملامح/م/ باللون الأحمروراح يرد بعصبية:
يتبع..
آرام كربيت
-------------------------------------------------------
تعليقات الصحف الألمانية 30.11.2007

مستقبل إقليم كوسوفو والانتخابات البرلمانية المنتظرة في روسيا، بالإضافة إلى أحداث الشغب في ضواحي العاصمة الفرنسية، كانت من أبرز الموضوعات التي حازت على اهتمام الصحف الألمانية الصادرة اليوم الجمعة.
حول مستقبل إقليم كوسوفو بعد فشل المفاوضات الأخيرة في بادن بالنمسا، كتبت صحيفة راين فالز Rheinpfalz تقول:
"الخلاف بين الصرب وألبان كوسوفو حول وضع الإقليم في المستقبل، مازال مستمرا حتى الآن دون ظهور بادرة للتقارب، ورغم ذلك فإن الاتحاد الأوروبي قادر على تقديم رؤية لحل واقعي وحيد، بالنسبة لصربيا وكوسوفو ومنطقة غرب البلقان بأكملها. وتاريخ الاتحاد الأوروبي مليء بأمثلة عديدة على إمكانية تهدئة، بل وتجاوز الصراعات التي كان تبدو في الماضي عصية على الحل، وذلك عبر الرؤية المرتبطة بتقديم المساعدات وتحقيق الازدهار الاقتصادي. لا توجد ضمانات على أن هذا الأسلوب سيكلل بالنجاح، لكن في الوقت نفسه لاتوجد خيارات أخرى بديلة، تتميز بالواقعية".
وحول الانتخابات البرلمانية المتوقع إجراؤها الأحد المقبل في روسيا، علقت صحيفة سود دويتشه تسايتونغ Süddeutsche Zeitung بالقول:
"كل شئ معد بدقة ليحقق حزب بوتين - "روسيا الموحدة"- نجاحا ساحقا، وذلك بدعم من الكرملين ومن وسائل الاعلام والمؤسسات الرسمية، وهذا لا يمت إلى الديمقراطية بصلة. الحال بعد الانتخابات ستكون هي نفسها قبلها، وما يجري الآن في الانتخابات البرلمانية، هو فقط المشهد الأول من العرض، وليس من الواضح حتى الآن من سيترشح في انتخابات الرئاسة المقرر إجراؤها في مارس المقبل، وحتى إذا تحدد المرشحون، فالخوف يظل قائما، من أن بوتين لن يدع عند ذلك أيضا للروس الفرصة للانتخاب".
وفي صحيفة فرانكفورتر ألغماينه Frankfurter Allgemeine نقرأ تعليقا على أحداث الشغب الأخيرة في ضواحي باريس، وعلى ردة فعل الرئيس ساركوزي عليها، تقول الصحيفة :
"يعول الرئيس ساركوزي على التعبيرات القوية، التي تثير ضجة في وسائل الإعلام. ويأتي في هذا السياق، حديثه عن العصابات الإجرامية في ضواحي المدن الفرنسية. والرئيس الفرنسي يعلم تماما أنه يستفز المشاعر، لكنه يقصد زيادة الوعي بمشكلة العنف في الضواحي، والتي لا يمكن حلها بالحديث عن صعوبات عملية الاندماح في المجتمع. وقد وعد ساركوزي بالمزيد من الطائرات المروحية والأسلحة وكاميرات المراقبة لعناصر الأمن في الضواحي. لكنه لم يجب على السؤال عن الوسيلة التي سيتبعها، لوضع حد لنشاط العصابات الاجرامية هناك، ولحمل الشباب على العودة إلى الصواب والالتزام بالنظام".
نهلة طاهر
-----------------------------------------------------------

مستقبل إقليم كوسوفو والانتخابات البرلمانية المنتظرة في روسيا، بالإضافة إلى أحداث الشغب في ضواحي العاصمة الفرنسية، كانت من أبرز الموضوعات التي حازت على اهتمام الصحف الألمانية الصادرة اليوم الجمعة.
حول مستقبل إقليم كوسوفو بعد فشل المفاوضات الأخيرة في بادن بالنمسا، كتبت صحيفة راين فالز Rheinpfalz تقول:
"الخلاف بين الصرب وألبان كوسوفو حول وضع الإقليم في المستقبل، مازال مستمرا حتى الآن دون ظهور بادرة للتقارب، ورغم ذلك فإن الاتحاد الأوروبي قادر على تقديم رؤية لحل واقعي وحيد، بالنسبة لصربيا وكوسوفو ومنطقة غرب البلقان بأكملها. وتاريخ الاتحاد الأوروبي مليء بأمثلة عديدة على إمكانية تهدئة، بل وتجاوز الصراعات التي كان تبدو في الماضي عصية على الحل، وذلك عبر الرؤية المرتبطة بتقديم المساعدات وتحقيق الازدهار الاقتصادي. لا توجد ضمانات على أن هذا الأسلوب سيكلل بالنجاح، لكن في الوقت نفسه لاتوجد خيارات أخرى بديلة، تتميز بالواقعية".
وحول الانتخابات البرلمانية المتوقع إجراؤها الأحد المقبل في روسيا، علقت صحيفة سود دويتشه تسايتونغ Süddeutsche Zeitung بالقول:
"كل شئ معد بدقة ليحقق حزب بوتين - "روسيا الموحدة"- نجاحا ساحقا، وذلك بدعم من الكرملين ومن وسائل الاعلام والمؤسسات الرسمية، وهذا لا يمت إلى الديمقراطية بصلة. الحال بعد الانتخابات ستكون هي نفسها قبلها، وما يجري الآن في الانتخابات البرلمانية، هو فقط المشهد الأول من العرض، وليس من الواضح حتى الآن من سيترشح في انتخابات الرئاسة المقرر إجراؤها في مارس المقبل، وحتى إذا تحدد المرشحون، فالخوف يظل قائما، من أن بوتين لن يدع عند ذلك أيضا للروس الفرصة للانتخاب".
وفي صحيفة فرانكفورتر ألغماينه Frankfurter Allgemeine نقرأ تعليقا على أحداث الشغب الأخيرة في ضواحي باريس، وعلى ردة فعل الرئيس ساركوزي عليها، تقول الصحيفة :
"يعول الرئيس ساركوزي على التعبيرات القوية، التي تثير ضجة في وسائل الإعلام. ويأتي في هذا السياق، حديثه عن العصابات الإجرامية في ضواحي المدن الفرنسية. والرئيس الفرنسي يعلم تماما أنه يستفز المشاعر، لكنه يقصد زيادة الوعي بمشكلة العنف في الضواحي، والتي لا يمكن حلها بالحديث عن صعوبات عملية الاندماح في المجتمع. وقد وعد ساركوزي بالمزيد من الطائرات المروحية والأسلحة وكاميرات المراقبة لعناصر الأمن في الضواحي. لكنه لم يجب على السؤال عن الوسيلة التي سيتبعها، لوضع حد لنشاط العصابات الاجرامية هناك، ولحمل الشباب على العودة إلى الصواب والالتزام بالنظام".
نهلة طاهر
-----------------------------------------------------------
في بداية عام 2005 أعلن الرئيس مبارك عن العزم على إجراء أول انتخابات رئاسية حرة "بعض الشيء" في السابع من سبتمبر (أيلول) من نفس ذلك العام وبمشاركة مرشحين عدة في الأردن تتوارث الأسرة الهاشمية حكم المملكة وفي سوريا انتقل الحكم الاستبدادي من الأب إلى الابن. وفي مصر التي تحاول أن تسبغ على نظامها طابع الديمقراطية ولو شكليا تتركز التوقعات على احتمال بقاء السلطة داخل سلالة الأسرة ذاتها أيضا. مقال كتبه يورغين ستراياك.نشرت في خريف عام 2004 مجلة طلابية تصدر في مصر على صفحة غلافها قائمة اختراعات ابتدعها العالم العربي للمدنية الإنسانية في عصره الذهبي أي في غضون العصور الوسطى. أما الآن فقد ابتدع العرب للعالم وفقا لتلك المجلة منجزات جديدة يقدمونها للعالم وهي "الديمقراطية الوراثية".لم يذكر مقال المجلة اسم الرئيس المصري، لكنه كان من الواضح أن هذا الاحتجاج الحافل بالتهكم والسخرية قصد المخاوف حول احتمال انتقال الحكم من مبارك الأب إلى مبارك الابن.لم تكن مخاوف الطلاب في هذا السياق قبل ذلك أي في عام 2004 خالية من التبرير. فيومها تم إلصاق "بوستر" في منتصف مدينة القاهرة أي على وجه التحديد في ميدان التحرير بالقرب من المتحف المصري بلغ طوله أربعة طوابق بالكامل.تحويل التعظيم من حاكم إلى آخر بالطريقة المصريةأظهر ذلك البوستر جمال مبارك ابن الرئيس حسني مبارك بجانب الرياضيين المصريين الذين فازوا بمداليات في الألعاب الأولمبية التي جرت في أثينا. على ما يبدو انصبت إرادة النظام على المشاركة في هذا المجد الوطني.خبراء مهنة الدعاية يصفون هذه الظاهرة بكل بساطة على أنها عملية نقل للتعظيم من شخص إلى آخر. أما المثقفون المصريون من ذوي التوجه النقدي فإنهم يرون في هذه الظاهرة نذيرا يدفعهم إلى الدخول في جدل حاد ومؤشرا جليا على رفع سمة جمال مبارك علنا إلى مرتبة "الأب الحاكم" المقبل للبلاد وكذلك دليلا دامغا على تخلي النظام عن المبادىء الديمقراطية. في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام المذكور نشرت حركة الاحتجاج المسماة "كفاية" بلاغا تحت عنوان "الحركة المصرية من أجل التحول" تضمن اعتراضا على احتمال اكتساب النظام الرئاسي في مص
ر طابع الإرث الأسري. كفى تماما!كلمة "كفاية" تعني ما تقوله. فالمحتجون المنضوون في صفوف هذه الحركة والذين يشكلون مجموعة واسعة من التيارات المختلفة من اليمين عبورا بالتيار الليبرالي حتى التوجه الإسلاموي ينطلقون من دافع الخوف من احتمال تولي الابن السلطة بعد انقضاء قرابة ربع قرن من حكم ساده النمط الاستبدادي في عهد حسني مبارك. متظاهرو حركة كفاية أمام مبنى نقابة الصحفيين في العاصمة المصرية، أثناء الاستفتاء على التعديلات الدستورية عام 2005 تشهد هذه البلاد الواقعة على ضفاف نهر النيل نتيجة لذلك ربيعا قصيرا تهيمن عليه أفكار المجتمع المدني لكن العديد من الناشطين يخشون أن يكون الأمر محض سراب عابر لا أكثر. في بداية عام 2005 أعلن الرئيس مبارك عن العزم على إجراء أول انتخابات رئاسية حرة "بعض الشيء" في السابع من سبتمبر (أيلول) من نفس ذلك العام وبمشاركة مرشحين عدة.نال رئيس حزب الغد الليبرالي الذي أثار السماح بإنشائه قبل ذلك بنصف عام أحاسيس الدهشة في انتخابات الرئاسة المذكورة أقل قليلا من ثمانية بالمائة من الأصوات واحتل بذلك المرتبة الثانية بعد مبارك مباشرة. كما سُمح بإعادة صدور صحف للمعارضة منعت في السابق وبإصدار صحف جديدة. ربيع قصير للمعارضةسقطت حتى آخر التابوات يومها أي السماح بتوجيه النقد للرئيس. بعدها بدأت أجهزة الإعلام المستقلة تنشر فجأة مقالات تنتقد فيها مبارك وغيره من دعائم الدولة الموالين له.عمد الأب وابنه بصورة دورية منتظمة حتى الآن في خطاباتهما ومقابلاتهما الصحفية إلى نفي الشائعات التي تشير إلى احتمال انتقال السلطة في الإطار الأسري. أكثر تلك التصريحات إثارة للاهتمام ورد في مقابلة أجرتها قناة تليفزيونية أميركية مع حسني مبارك قبيل إجراء الانتخابات الرئاسية الأخيرة.ردا على سؤال للصحفي عن هوية المرشح المقبل في حالة عدم ترشيح الرئيس الحالي نفسه قال حسني مبارك "لن يكون ذلك الشخص الذي تتوقعه!". بعد ذلك أخذ كلاهما يقهقهان ضاحكين. ثم أضاف مبارك وعلى تقاسيم وجهه ملامح العصبية "موضوع ترشيح ابني ليس سوى قصة ابتدعتها بعض العناصر لأنها في حاجة إلى أمر تنتقده وتسخره لأغراض الدعاية. نحن لم نفكر أبدا في هذه المسألة". لكن واقع الأمر هو أن حسني مبارك يحكم مصر منذ عام 1981 أي لفترة خمس دورات رئاسية وسوف يبلغ في العام المقبل سن الثمانين. ابنه جمال يوصف بالنزاهة وبالميل للدقة والحداثة. وهو يبلغ من العمر 43 عاما ويعمل في مجال الاستثمار المصرفي وقد تلقى دراسته في الجامعة الأميركية في القاهرة وعمل فترة في لندن كما أنه يتمتع بثقة فعاليات الاقتصاد المصري. يقال إنه يقف بحكم نفوذه القوي وراء تعيين الاقتصاديين ذوي النزعة الإصلاحية وفئات التكنوقراطيين والمتخصصين في إدارة الأعمال كوزراء في الحكومة. كما تعتبر نسبة النمو الاقتصادي البالغة سبعة بالمائة من ثمار نشاطه. وقد صعد وتدرج في سلم السلطة بسرعة مذهلة بحيث أصبح الآن ثاني أقوى رجل في الدولة. حاكم مطلق وله شعبية في نفس الوقتنظام حكم العائلة مبارك الذي يتصدره الأب مبارك عنصر يضمن الاستقرار من خلال استخدام اليد الحديدية، علما بأن تكريس الاستقرار ينسجم مع رغبات وتطلعات رجل الشارع لا سيما على ضوء حالة الفوضى التي عصفت بعدد كبير من دول المنطقة. لهذا ليس من المستبعد أبدا أن يكون ابن الرئيس قادرا على الفوز في انتخابات الرئاسة في حالة ترشيح نفسه لها. حزب الغد الذي عقدت عليه في السابق آمال كبيرة فقد أهميته. كما حكم على رئيسه أيمن نور بالسجن لمدة خمسة أعوام من خلال ترتيب محاكمة صورية. في حالة إجراء استفتاء عام يفرز انتصارا لجمال مبارك لا سيما على ضوء انعدام مرشحين آخرين فإن ذلك قد يكتسب ولو ظاهريا شكلا ديمقراطيا. الملاحظ أن المعارضة تتعرض لهذا السبب منذ خريف عام 2005 لإجراءات قمع متزايدة. كما أن الحريات المدنية تتعرض للتهميش أكثر فأكثر. أما حزب
الغد الذي عقدت عليه في السابق آمال كبيرة فقد انقسم إلى تجمعات عديدة وفقد بالتالي أهميته. كما حكم على رئيسه بالسجن لمدة خمسة أعوام بعد استخدام أعذار هزيلة واهية ومن خلال ترتيب محاكمة صورية. إجراءات قمع ضد المعارضة وضع رؤساء تحرير الصحف المستقلة قيد المحاكمة كما تم تعديل الدستور من خلال إضافة ترتيبات تجعل من المستحيل على المعارضة المدنية العلمانية على ضوء حالة الضعف الحالي الذي تعاني منه تعيين مرشحين عنها لانتخابات الرئاسة. أما الإخوان المسلمون فيشكلون قوى المعارضة الوحيدة ذات الاعتبار كما أن الدولة تتقبل وجودهم ضمنيا. لكنهم من الناحية الشكلية تكتل غير معترف به قانونيا الأمر الذي يمنعهم من تعيين مرشح عنهم للرئاسة. بناء على رؤية نقاد النظام مثل عالم الاجتماع سعد الدين إبراهيم أو الكاتب المعروف علاء الأسواني فإن النظام يسخر حركة الإخوان في سبيل إشاعة الخوف لدى الغرب وفقا لشعار "إذا تخليتم عني جاء الإسلامويون خلفا لي".هذا يعني أنه لا يوجد باستثناء أعضاء حزب مبارك الحاكم (الحزب الوطني الديمقراطي) أي أشخاص آخرين تتوفر فيهم شروط الترشيح لرئاسة الجمهورية. يأتي بالإضافة إلى ذلك أن التعديل الأخير للدستور ينص على أن يكون كافة المرشحين للرئاسة أعضاء فيما يسمى بالمجلس الأعلى للأحزاب. خلافة بملامح ديمقراطية صوريةأنشأ حزب مبارك الوطني الديمقراطي بنفسه المجلس الأعلى المذكور في مؤتمره الحزبي الذي عقد في مطلع شهر نوفمبر (تشرين الثاني) في القاهرة والجدير بالذكر أن جمال مبارك عضو في هذا المجلس، مما يعني في نظر المعارضة بأن ذلك يشكل خطوة غير قابلة للتأويل نحو تكريس خلافة جمال مبارك لأبيه مع إعطاء الأمر قسمات ديموقراطية وإن كانت صورية. لكن الأمر لا يخلو من شائبة يتسم بها هذا الابن الديناميكي للرئيس حسني مبارك وهي أنه لم يتدرج في السلك العسكري. هذا مع أن مصر تحكمها منذ عقود طويلة طبقة سياسية يدعمها جهاز عسكري بالغ القوة.بناء على رؤية الخبراء فإن انتقال السلطة من حسني مبارك الطيار المقاتل وقائد سلاح الطيران سابقا إلى ابنه يمكن أن يتحقق تحت عامل وحيد يتعلق ببقاء الأب على قيد الحياة. أما الانتخابات الرئسية المقبلة فإنها ستجري في عام 2011.
ر طابع الإرث الأسري. كفى تماما!كلمة "كفاية" تعني ما تقوله. فالمحتجون المنضوون في صفوف هذه الحركة والذين يشكلون مجموعة واسعة من التيارات المختلفة من اليمين عبورا بالتيار الليبرالي حتى التوجه الإسلاموي ينطلقون من دافع الخوف من احتمال تولي الابن السلطة بعد انقضاء قرابة ربع قرن من حكم ساده النمط الاستبدادي في عهد حسني مبارك. متظاهرو حركة كفاية أمام مبنى نقابة الصحفيين في العاصمة المصرية، أثناء الاستفتاء على التعديلات الدستورية عام 2005 تشهد هذه البلاد الواقعة على ضفاف نهر النيل نتيجة لذلك ربيعا قصيرا تهيمن عليه أفكار المجتمع المدني لكن العديد من الناشطين يخشون أن يكون الأمر محض سراب عابر لا أكثر. في بداية عام 2005 أعلن الرئيس مبارك عن العزم على إجراء أول انتخابات رئاسية حرة "بعض الشيء" في السابع من سبتمبر (أيلول) من نفس ذلك العام وبمشاركة مرشحين عدة.نال رئيس حزب الغد الليبرالي الذي أثار السماح بإنشائه قبل ذلك بنصف عام أحاسيس الدهشة في انتخابات الرئاسة المذكورة أقل قليلا من ثمانية بالمائة من الأصوات واحتل بذلك المرتبة الثانية بعد مبارك مباشرة. كما سُمح بإعادة صدور صحف للمعارضة منعت في السابق وبإصدار صحف جديدة. ربيع قصير للمعارضةسقطت حتى آخر التابوات يومها أي السماح بتوجيه النقد للرئيس. بعدها بدأت أجهزة الإعلام المستقلة تنشر فجأة مقالات تنتقد فيها مبارك وغيره من دعائم الدولة الموالين له.عمد الأب وابنه بصورة دورية منتظمة حتى الآن في خطاباتهما ومقابلاتهما الصحفية إلى نفي الشائعات التي تشير إلى احتمال انتقال السلطة في الإطار الأسري. أكثر تلك التصريحات إثارة للاهتمام ورد في مقابلة أجرتها قناة تليفزيونية أميركية مع حسني مبارك قبيل إجراء الانتخابات الرئاسية الأخيرة.ردا على سؤال للصحفي عن هوية المرشح المقبل في حالة عدم ترشيح الرئيس الحالي نفسه قال حسني مبارك "لن يكون ذلك الشخص الذي تتوقعه!". بعد ذلك أخذ كلاهما يقهقهان ضاحكين. ثم أضاف مبارك وعلى تقاسيم وجهه ملامح العصبية "موضوع ترشيح ابني ليس سوى قصة ابتدعتها بعض العناصر لأنها في حاجة إلى أمر تنتقده وتسخره لأغراض الدعاية. نحن لم نفكر أبدا في هذه المسألة". لكن واقع الأمر هو أن حسني مبارك يحكم مصر منذ عام 1981 أي لفترة خمس دورات رئاسية وسوف يبلغ في العام المقبل سن الثمانين. ابنه جمال يوصف بالنزاهة وبالميل للدقة والحداثة. وهو يبلغ من العمر 43 عاما ويعمل في مجال الاستثمار المصرفي وقد تلقى دراسته في الجامعة الأميركية في القاهرة وعمل فترة في لندن كما أنه يتمتع بثقة فعاليات الاقتصاد المصري. يقال إنه يقف بحكم نفوذه القوي وراء تعيين الاقتصاديين ذوي النزعة الإصلاحية وفئات التكنوقراطيين والمتخصصين في إدارة الأعمال كوزراء في الحكومة. كما تعتبر نسبة النمو الاقتصادي البالغة سبعة بالمائة من ثمار نشاطه. وقد صعد وتدرج في سلم السلطة بسرعة مذهلة بحيث أصبح الآن ثاني أقوى رجل في الدولة. حاكم مطلق وله شعبية في نفس الوقتنظام حكم العائلة مبارك الذي يتصدره الأب مبارك عنصر يضمن الاستقرار من خلال استخدام اليد الحديدية، علما بأن تكريس الاستقرار ينسجم مع رغبات وتطلعات رجل الشارع لا سيما على ضوء حالة الفوضى التي عصفت بعدد كبير من دول المنطقة. لهذا ليس من المستبعد أبدا أن يكون ابن الرئيس قادرا على الفوز في انتخابات الرئاسة في حالة ترشيح نفسه لها. حزب الغد الذي عقدت عليه في السابق آمال كبيرة فقد أهميته. كما حكم على رئيسه أيمن نور بالسجن لمدة خمسة أعوام من خلال ترتيب محاكمة صورية. في حالة إجراء استفتاء عام يفرز انتصارا لجمال مبارك لا سيما على ضوء انعدام مرشحين آخرين فإن ذلك قد يكتسب ولو ظاهريا شكلا ديمقراطيا. الملاحظ أن المعارضة تتعرض لهذا السبب منذ خريف عام 2005 لإجراءات قمع متزايدة. كما أن الحريات المدنية تتعرض للتهميش أكثر فأكثر. أما حزب
الغد الذي عقدت عليه في السابق آمال كبيرة فقد انقسم إلى تجمعات عديدة وفقد بالتالي أهميته. كما حكم على رئيسه بالسجن لمدة خمسة أعوام بعد استخدام أعذار هزيلة واهية ومن خلال ترتيب محاكمة صورية. إجراءات قمع ضد المعارضة وضع رؤساء تحرير الصحف المستقلة قيد المحاكمة كما تم تعديل الدستور من خلال إضافة ترتيبات تجعل من المستحيل على المعارضة المدنية العلمانية على ضوء حالة الضعف الحالي الذي تعاني منه تعيين مرشحين عنها لانتخابات الرئاسة. أما الإخوان المسلمون فيشكلون قوى المعارضة الوحيدة ذات الاعتبار كما أن الدولة تتقبل وجودهم ضمنيا. لكنهم من الناحية الشكلية تكتل غير معترف به قانونيا الأمر الذي يمنعهم من تعيين مرشح عنهم للرئاسة. بناء على رؤية نقاد النظام مثل عالم الاجتماع سعد الدين إبراهيم أو الكاتب المعروف علاء الأسواني فإن النظام يسخر حركة الإخوان في سبيل إشاعة الخوف لدى الغرب وفقا لشعار "إذا تخليتم عني جاء الإسلامويون خلفا لي".هذا يعني أنه لا يوجد باستثناء أعضاء حزب مبارك الحاكم (الحزب الوطني الديمقراطي) أي أشخاص آخرين تتوفر فيهم شروط الترشيح لرئاسة الجمهورية. يأتي بالإضافة إلى ذلك أن التعديل الأخير للدستور ينص على أن يكون كافة المرشحين للرئاسة أعضاء فيما يسمى بالمجلس الأعلى للأحزاب. خلافة بملامح ديمقراطية صوريةأنشأ حزب مبارك الوطني الديمقراطي بنفسه المجلس الأعلى المذكور في مؤتمره الحزبي الذي عقد في مطلع شهر نوفمبر (تشرين الثاني) في القاهرة والجدير بالذكر أن جمال مبارك عضو في هذا المجلس، مما يعني في نظر المعارضة بأن ذلك يشكل خطوة غير قابلة للتأويل نحو تكريس خلافة جمال مبارك لأبيه مع إعطاء الأمر قسمات ديموقراطية وإن كانت صورية. لكن الأمر لا يخلو من شائبة يتسم بها هذا الابن الديناميكي للرئيس حسني مبارك وهي أنه لم يتدرج في السلك العسكري. هذا مع أن مصر تحكمها منذ عقود طويلة طبقة سياسية يدعمها جهاز عسكري بالغ القوة.بناء على رؤية الخبراء فإن انتقال السلطة من حسني مبارك الطيار المقاتل وقائد سلاح الطيران سابقا إلى ابنه يمكن أن يتحقق تحت عامل وحيد يتعلق ببقاء الأب على قيد الحياة. أما الانتخابات الرئسية المقبلة فإنها ستجري في عام 2011.قنطرة
----------------------------------------------------

