
استجواب إداري للناشط السياسي فائق على أسعد " المير"
2007/07/23
استحضر الناشط السياسي البارز في حزب الشعب الديمقراطي فائق على أسعد " المير" من سجن عدرا الساعة الثانية عشرة صباح اليوم الأحد في 22/7/2007 إلى محكمة الجنايات الأولى بدمشق ، حيث تم استجوابه من قبل رئيس المحكمة وبحضور المستشارين وكاتب المحكمة ، والمحامي خليل معتوق من هيئة الدفاع. وقد كرر فائق أقواله الواردة بضبط الأمن نصاً وروحا بعد أن تليت عليه من قبل رئيس المحكمة : وأضاف قائلا:
(( وأعلمكم الحقيقة كما يلي: في بداية عام 2005 بعد أن علمت باغتيال الرفيق جورج حاوي سافرت إلى لبنان بصورة مشروعة ، ولدى وصولي إلى بيروت تقدمت بالتعازي للرفيق خالد حدادة وأبن الشهيد رافي والرفيق سعدالله مزرعاني وجميع قيادة الحزب الشيوعي اللبناني، وبعد أن انتهيت من تقديم التعزية ، عدت إلى سوريا بنفس الطريقة .
وبعد أن علمت بحادثة اغتيال الوزير بيير الجميل بيومين اتصلت هاتفيا بالنائب اللبناني أمين سر حركة اليسار الديمقراطي الياس عطالله وقدمت له التعزية بوفاة بيير الجميل ، واطمأنيت منه عن الوضع السياسي في لبنان بعد حادثة الاغتيال، وبداية نزول المعارضة والمولاة إلى الشارع ، وسألته عن مخاطر الاحتكام إلى الشارع على أمن لبنان .وقد اعتذرت منه عن الذهاب إلى لبنان لتقديم التعزية بمقتل بيير الجميل بسبب منعي من السفر ، وطلبت منه أن ينقل تعازي إلى آل الجميل.
وأضاف فائق على أسعد "المير" قائلا: أنني أكدت للنائب عطالله أن من حقنا كشعب سوري أن يكون لنا دور في هذه العلاقة بين السلطتين ، وكفانا ما جرى بين السلطتين السورية والعراقية ، وأعلمته إن من حق الشعبين السوري واللبناني أن يتعرف على رأي غير رأي السلطة.وأن يكون لكلا الشعبين في لبنان وسوريا رأي فيما يحدث في لبنان لأنه ينعكس عليهما.
كما ذكرت للنائب أيضاً إن النظام في سوريا منعني من الذهاب إلى لبنان ، كما يمنعني من التعبير عن رأي كناشط في حزب الشعب الديمقراطي ، علماً إننا نرغب كحزب علاقات طبيعية بين السلطتين في لبنان وسوريا قائمة على الاحترام المتبادل بين الدولتين، وعدم التدخل في شؤون كل من الدولتين، وعلاقة مميزة حقاً بين الشعبين والدولتين في سوريا ولبنان. وأن لاتبقى العلاقة اللبنانية – السورية رهينة مصالح السلطتين في سوريا ولبنان، ولنا في تجربة العراق مثالاً.))
وبعد الانتهاء من الاستجواب الإداري سمحت هيئة المحكمة للمتضامنين معه من محامين وأصدقاء بالجلوس معه في قاعة المحكمة، وبعد ذلك تم تحديد موعد للمحاكمة بتاريخ 29/8/2007
دمشق في 22/7/2007
المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية
المحامي خليل معتوق
الناصرية بين الماضي والمستقبل: علي العبد الله
2007/07/23
ما تزال التجربة الناصرية تثير اهتمام قطاع واسع من المواطنين العرب،ففي شهر تموز من كل عام تتجدد الذكرى والعواطف والشجون وتُستعاد صورة الرجل الذي صنع التجربة وأحدث تأثيرا كبيرا في المحيط العربي،كان من مترتباته ظهور التيار الناصري في البلاد العربية،جعلها محط أنظار كثيرين،دون كبير اهتمام بما حصل منذ وفاته إلى الآن من متغيرات محلية وإقليمية ودولية تستدعي إعادة نظر تكشف ما بقي من التجربة صحيحا وصالحا وما تجاوزته الظروف والحياة
فهل ما زالت الناصرية قادرة على تلبية احتياجات المستقبل؟
بين الهدف والمآل
انطلق عبد الناصر من رؤية مجتمعية غايتها تحرير الإنسان عن طريق تنمية اجتماعية شاملة تحرره من الحاجات المادية كمقدمة لا بد منها ليتمكن من التطور والتفتح النفسي والمعنوي والمعرفي.تنمية قائمة على توازن دقيق بين مصالح معظم الشرائح الاجتماعية،مع إعطاء أولوية لمصالح الفئات الاجتماعية الدنيا كي تؤهل للعب دورها الاجتماعي وتتعامل مع الفئات الاجتماعية الأخرى من موقع الند بعد تحررها من عقدة العجز والدونية
وقد تجسد ذلك التوجه عملياً بإعطاء الأولوية للصناعات المرتبطة باحتياجات الغالبية الاجتماعية(الحاجات الأساسية) وتوفير متطلبات نهضة علمية وثقافية عن طريق فتح فرص التعليم المجاني من الابتدائي إلى الجامعة أمام أبناء الفئات الاجتماعية الدنيا وطرح ودعم كتب ومجلات متخصصة وطبعات شعبية ضمن سلاسل متعددة وبأسعار زهيدة كي تكون في متناول أصحاب الدخل المحدود وتوفير الإطلاع على الفكر العالمي عن طريق تشكيل لجان ترجمة وإصدار سلاسل مترجمة في مختلف صنوف المعرفة وإنشاء دور ثقافة ومسارح ودور سينما
كما شجع المؤسسة الدينية على الاجتهاد لإنجاز قفزة فقهية تحرر المواطن من حالة التواكل والفهم الخاطئ لصحيح الدين،وتتيح له الانطلاق في صنع الحياة بإيجابية واقتدار.
وفتح فرصة الممارسة السياسية أمام الكتل الشعبية عبر تشكيلات سياسية (هيئة التحرير،الاتحاد القومي،الاتحاد الاشتراكي) باعتبارها أوعية لتنمية اجتماعية سياسية غايتها منح المجتمع فرصة حقيقية للعب دور سياسي واقتصادي وخلق قوة سياسية توازن قوة السلطة
كل هذا مع سياسة خارجية قائمة على الاستقلال والتخلص من كل أشكال التبعية السياسية والاقتصادية باعتبارها عقبة أمام تحرير الإنسان والوطن
بدأ عبد الناصر مسيرته بطرح أسس مختلفة للتغيير الاجتماعي على خلفية ضرورة تحقيق تقدم وطني سريع،بخلق واقع جديد عبر اتخاذ الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية اللازمة: توزيع الأراضي على الفلاحين الفقراء عبر قوانين الإصلاح الزراعي ، والتوسع بعملية التصنيع والإنتاج واستيعاب القوى العاملة ودعم المواد الغذائية وتأمين خدمات اجتماعية(تعليم ،صحة,مواصلات,اتصالات) وتثبيت سعر صرف العملة الوطنية من أجل إزالة العراقيل والعقبات التي تقف في وجه هذا التقدم وتدعيم الاستقلال الوطني وتعظيم المكانة الدولية لمصر.
وقد اعتمد آلية التأميم التي أفرزت قطاعاً عاماً قوياً ومسيطراً على جميع مفاصل الاقتصاد،وهذا حوّل الدولة إلى مالك كبير،أكبر رب عمل في البلاد،وهذا مكّنها من التحكم بالدورة الاقتصادية والإمساك بالتوازن الاجتماعي
أدت هذه الآلية إلى قيام دولة إنتاج وتوزيع في ذات الوقت،ومع استحالة تحقيق الهدفين في الوقت نفسه في دول متخلفة قليلة الإمكانيات، أصبح التناقض الأساسي بين هذين الدورين هو المميز الرئيس لهذا النظام،لذا أقدم عبد الناصر على اعتماد منهج اتحادي قائم على دمج السلطة والحزب الحاكم والنقابة والتنظيمات الشعبية في كيان واحد هدفه ضبط الحراك الاجتماعي عبر إعادة توزيع الثروة،واستخدام عملية التوزيع في استتباع المجتمع والتحكم بردود أفعاله، وقد ترتب على ذلك تشكيل دولة وطنية مستقلة ونظام شعبوي يستجيب لمطالب الجماهير المعيشية ويتحسس مشاعرها،ولكن مع مشاركة شعبية محدودة في القرار السياسي ومع حظر المعارضة، وتحقيق ذلك بالاستناد إلى أجهزة أمنية وبيروقراطية وتنظيم سياسي واحد.
كل هذا مع توجه أمني- إعلامي قائم على اعتبار كل معارضة سياسية مؤامرة تهدد أمن الجماعة والنظام ، وتهدد الأهداف العليا للوطن في استقلاله ونهضته ورخائه.
الديموقراطية: الفكرة والممارسة:
يبرز الناصريون حديث الوثائق الناصرية وتوجهات عبد الناصر بعد هزيمة1967،عن الديموقراطية والتعددية السياسية ,كدليل على امتلاك الناصرية موقفاً إيجابيا ًمن الديموقراطية.
يثير هذا الطرح تحفظا كبيرا ، فالوثائق التي صدرت في ستينيات القرن الماضي وإن كانت تحدثت عن الديموقراطية السليمة فإنها لم تحدد آليات اشتغالها ووسائلها، ناهيك عن أن النظام الناصري لم يطبقها في الممارسة العملية بل ومارس ضدها بتكريس نظام سلطوي/شمولي.
فقد قاد اعتبار الدولة مدخلا سياسيا لتغيير المجتمع الى دمج الوظيفة السياسية في الأجهزة الإدارية،وهذا بدوره قاد الى دمج الوظيفة السياسية في الوظيفة الأمنية، حيث أصبحت أجهزة الأمن عراب العمل السياسي والتنظيمي،وقامت بالدور الذي كان من المفترض أن تقوم به الأحزاب السياسية،والى اعتبار السياسة مجموعة من المشكلات الإدارية،وتحديد ساحة الخلاف حيث يمكن أن يدور حول هذه المشكلات ،وحول رفع مستوى الأداء،ولكن دون التطرق الى الخيارات والأولويات،ما يعني إلغاء التنافس في المجتمع السياسي والركون الى عملية فرض لون واحد وخيار واحد.
أما الأطر الحزبية التي أقامها عبد الناصر فكانت أقرب الى الطابع التنظيمي منها الى الطابع السياسي الاجتماعي إنها اطر تحشيد وتنميط وتحييد أكثر منها اطر تفعيل وإشراك وتطوير،حتى الترقية داخل الأطر الحزبية،والمراكز القيادية منها بخاصة،تتم بالتعيين أو بالتوجيه وليس بالانتخاب الحر،فالبرامج مفروضة من الأعلى والمشاركة محصورة في حدود هذه البرامج.
لقد تمسك النظام،رغم إنجازاته الاقتصادية والاجتماعية،باستبعاد العمل السياسي لصالح نظام مركزي بيروقراطي يولي الاهتمام الأكبر في تحقيق الأهداف للعمل التنفيذي وليس للعمل السياسي.
اعتمد النظام الناصري في التعامل مع المجتمع على عدة ركائز : التركيز على دور القائد الفرد وصفاته الاستثنائية(روجت له الحملات الإعلامية بالأغاني والصور والتماثيل)،احتكار الحقل السياسي،تأميم الدولة والمجتمع،إلغاء الحريات،فرض حالة الطوارئ والأحكام العرفية والمحاكم العسكرية والاستثنائية وأمن الدولة ... الخ
عكست هذه الركائز سمات نظام يعتمد المركزية السياسية وإمساك " نخبة وطنية تقدمية " بإدارة السلطة سياسيا واقتصاديا بدلا عن القوى السياسية والاجتماعية ، حيث تم التشديد على الديموقراطية الاجتماعية لاستبعاد الديموقراطية السياسية ، سواء في صورتها الواحدية(داخل الحزب الحاكم)أو التعددية، لقد كسب الشعب الديموقراطية الاجتماعية دون أن تتاح له،بالقدر نفسه،فرصة ممارستها كسلطة سياسية أي كأسلوب عمل يومي.
راح عبد الناصر يمركز السلطة في يده وحوله،ويعسكر الإدارة بوضع ضباط في الوزارات والمحافظات وشركات القطاع العام،ويحل الأحزاب بذريعة فسادها دون أن يسمح بتشكيل أحزاب بديلة،وهذا حوّل النظام السياسي الناصري إلى نظام وطني تحكمه أجهزة أمنية وبيروقراطية أبعدته عن جماهيره وعمقه الشعبي،وحوّلته إلى ساحة صراع لعدد محدود من الأجهزة والأشخاص،فإلغاء الأحزاب ألغى الحياة السياسية،وأخرج السياسة من المجتمع،وحوّل السياسة الرسمية المتبعة إلى طقوس لتمجيد القائد وتكريس السلطة.
وهذا سمح لأنور السادات بالسيطرة على النظام بسهولة لان بنيته البيروقراطية والأمنية جعلت صراع السادات محصورا مع عدد محدود من الخصوم فانتصر عليهم بفضل آلية عمل النظام البيروقراطية والأمنية.
لم يقلل من خطورة نظام الحزب الواحد الذي أقامه عبد الناصر تبنيه لصيغة تحالف قوى الشعب العاملة واعتبار الاتحاد الاشتراكي تنظيما جماهيريا مفتوحا ( أول من ابتدع صيغة تحالف قوى الشعب العاملة القائد الشيوعي الأذربيجاني سلطان غالي عام 1937 في محاولته لاحتواء أضرار الصيغة الطبقية الجامدة للحزب الشيوعي السوفييتي. )
أما حديث عبد الناصر بعدهزيمة67 عن نيته إقامة تعددية سياسية في مصر فلم تأخذ طريقها إلى التنفيذ حيث لم تسمح ظروف الصراع العربي الإسرائيلي ووفاته المبكرة له بمراجعة أسس مشروعه النظرية والعملية وعجز الناصريين عن القيام بهذه المراجعة وهذا جعل الحديث عن التعددية السياسية هدفا افتراضيا.
الناصرية والمستقبل:
تدين الناصرية في صعودها و نجاحها لثلاثة عناصر:الرجل،عبد الناصر الذي يمتلك،إلى جانب الصفات الشخصية،موقفا صلبا من قضايا وطنه وعصره،والبلد مصر،أكبر قطر عربي يقع في قلب الوطن العربي،والحرب الباردة,صراع الكتلتين الرأسمالية والشيوعية،وما وفرته الكتلة الشيوعية التي تناغم معها عبد الناصر سياسيا من غطاء وحماية وإمكانات ساعدته على التخلص من مشكلات ومآزق كبيرة واجهته..
وقد قاد غياب بطلها وانهيار النظام الناصري في مصر والاتحاد السوفييتي، إلى افتقاد الموّجه والمركز والراعي،وهي شروط وجودها واستمرارها،وهذا أوقعها في ارتباك شديد أفقدها القدرة على صياغة أجوبة صحيحة ومحددة للأسئلة التي طرحتها المتغيرات الدولية الصاعقة والحاسمة في ظل عصر الاتصالات والمعلومات،والاعتماد المتبادل بين الدول،واقتصاد السوق،والديموقراطية،وحقوق الإنسان،والتدخل في الدول الأخرى لاعتبارات إنسانية ... الخ.
لم تعد الناصرية بصيغتها القديمة أداة تغيير مستقبلية،إنها في أحسن الظروف،ذكرى طيبة لرجل ونظام،ما أبقاها ذكرى طيبة هو عدم قيام نظام آخر أكثر إيجابية منها في الوطن العربي،إذ لم يعد نظام الفرد،الزعيم،القائد،البطل،يلبي احتياجات اللحظة السياسية الإقليمية والدولية الراهنة، فالناصرية بحاجة إلى ثورة ثقافية تكسر ثقافة الشخصنة والولاء للقائد الملهم، حتى تصبح تربة صالحة لإنبات شجرة الديموقراطية،وتسمح لجماهيرها بإحداث نقلة نوعية في وعيها وممارستها وتكوين رؤية واضحة تنمي قدرتها على خلق تجربة مستقلة متحررة من آلية التبعية والولاء،وصياغة برنامج نضالي وطني /قومي/ اجتماعي ذاتي.
كما لم تعد الشرعية الثورية التي اعتمدتها أداة مناسبة لحكم صاعد باتجاه حياة مستقرة ومزدهرة،فالشرعية الدستورية والنظام الديموقراطي غدتا في ظروفنا الراهنة بديلا إجباريا،خاصة وإن تجربة سقوط النظام العراقي المُذلة قد بينت مخاطر الاستبداد على الروح الفردية والوطنية..
كما لم يعد النظام الاقتصادي ثنائي الوظيفة(إنتاج وتوزيع) في الظروف الاقتصادية الدولية الراهنة(العولمة) مجديا خاصة في الدول الفقيرة بإمكاناتها الطبيعية وخبراتها البشرية المتواضعة وحاجتها الماسة للاستثمارات والاندماج في السوق الدولي،فليس باستطاعة هكذا نظام تحمُل تبعات تنمية بشرية واقتصادية ناجحة،وهذا يجعله في المحصلة الختامية غير قادر على حماية السيادة الوطنية بالمفهوم القديم(حماية الوطن) أو الجديد(التأثير في الواقع الدولي بقدر أو أكثر من تأثير الواقع الدولي في الواقع الوطني.).
لقد غدت الناصرية بعد المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية أمام خيار تاريخي:إما إعادة نظر والتغيّر باتجاه المستقبل أو التآكل والتلاشي والاندثار.
كاتب سوري
"الرأي / خاص"
--------------------------------------------------------------------
نحو رؤية قومية عربية معاصرة (1/2):
د. عبدالله تركماني
2007/07/11
مازالت الأمة العربية تنتقل من إخفاق إلى إخفاق، إذ نعيش اللحظة التي تلتقي فيها النهاية مع البداية، والتي تمتد جذورها في عمق التاريخ الحديث، تاريخ الأزمة الواقعية التي تعيشها المدنية العربية ذاتها، بما هو تاريخ استبعاد الأمة من ساحة المبادرة والفعل والمشاركة العالمية. والأزمة العربية الشاملة المفتوحة هي من تلك الأزمات التي تتقلص فيها الخيارات إلى اثنين لا ثالث لهما: إما الغرق في الأزمة والدخول في مسلسل من التدهور والفوضى والانحلال والضياع. وإما تجاوزها إلى وضعية جديدة تماما، انطلاقا من التفكيك الواعي للوضعية القائمة المأزومة والشروع في عملية بناء جديدة، بمنطلقات واستشرافات جديدة كذلك. وحتى نجدد الخطاب القومي ونجعله خطابا معاصرا وقابلا للحياة وصانعا للمستقبل ورافدا للتجديد فإنّ علينا إعادة صياغته بروح العصر ومستجدات الواقع.
إنه من المفارقات الملفتة للنظر أنّ القضايا الأساسية، التي شكلت عماد فكر النهضة العربية في القرن التاسع عشر، مازالت حية قائمة كمطالب وطموحات عربية مع بدايات القرن الواحد والعشرين. والسؤال هو: لماذا هذا الانفصال بين الخطاب المُعلَن والممارسة السياسية في المشروع العربي خلال التاريخ المعاصر ؟ هل ثمة تعارض بين مصالح وطموحات المحكومين والحاكمين ؟ هل ثمة تعارض بين خطاب الوحدة والتقدم وإرادة النخب الحاكمة ؟ هل ثمة انفصام بين القول والعمل لدى التيارات السياسية العربية ؟ هل ثمة قصور في وعي الأحزاب السياسية في العالم العربي لدور العوامل الخارجية ولدور العوامل الداخلية فيما آلت إليه حالة العجز العربي ؟
وفي الواقع، يصعب على المرء أن يحدد صورة المستقبل، ولكن يمكنه أن يحدد الشروط التي يجب توافرها من أجل التعاطي المجدي مع معطيات الحاضر. فإذا لم نحصل على التقدم الذي نأمله، فعلى الأقل يمكننا وقف التأخر الذي نتخبط فيه. ذلك أنّ الخطر الأساسي الذي يداهمنا هو ازدياد الهوة بيننا وبين القوى الدولية القادرة. وفي المعترك العالمي المعاصر، يجب أن يكون همنا الأول بناء القدرة الذاتية العربية، لأنّ الصراع على المستوى العالمي صراع بين قدرات، والغلبة لمن هو أقدر.
وفي كلمة أخرى، علينا أن نواجه سؤالا رئيسيا: هل نريد أن نعيش في هذا العصر، أم نبقى سادرين في عصور سابقة ؟ فإذا أردنا أن نعيش في هذا العصر علينا أن نفهم ما هي مناهج هذا العصر، إذ لا يمكن أن يقوم من أبناء هذا العصر من يفكر ويسلك في حياته سلوكا قبليا وعشائريا، كذلك لا يمكن أن يعيش في هذا العصر من يريد أن يتقوقع على نفسه ويفكر تفكيرا طائفيا ومذهبيا وانعزاليا، لأنه عصر التجمعات الكبرى. لا يمكن أن يعيش في هذا العصر من يتوجه في تفكيره توجها رجعيا، فلنتساءل هل نحن نعدُّ أنفسنا لكي نعيش في هذا العصر والعصور التالية أم راضون بما نحن عليه ؟ الإجابة لا تكون بإطلاق الشعارات وإنما بالصياغات الأساسية التي تتناول التفكير والسلوك الفرديين، وكذلك كافة البنى والمؤسسات الاقتصادية والسياسية والثقافية.
على هذا، ليست العروبة اليوم بخير، ولا هي قادرة على ان تكون، بما هي عليه، مسلكا مجديا للمستقبل، ذلك أنّ نماذجها وتطبيقاتها لا يمكن إلا أن تبقيها مشروعا في اللاوعي العربي، إذا هي بقيت من دون مشروطية متجددة تحدد معالمها وإمكاناتها بواقعية، وتقيها شرور الانجراف نحو الماضوية والتحجر.
إنّ المقاربة العقلانية النقدية التي نعتمدها بشجاعة، في كل كتاباتنا ومواقفنا، هي التي سترتفع – كما نعتقد - بالفكر القومي من المستوى التبشيري العاطفي القيمي، إلى مستوى القاعدة السياسية الثابتة في الفكر السياسي القومي، وإلا فسنكون كمن يدخل عالم الألفية الثالثة وهو يحرث الماء. فالباحث في الفكر السياسي عليه أن لا يغفل: أولا، شبكة المصالح الواقعية، خلال نقده للواقع العربي، وإلا بقي أسير التبشير العاطفي الرومانسي. وثانيا، أنّ مآزق المجتمعات العربية، هي بحد ذاتها مآزق الفكر السياسي في العالم العربي.
ويخطئ من يعتقد أنّ المسألة تنحصر في خطاب إيديولوجي معين، فتيارات الأمة كلها معنية بصياغة خطاب عربي عصري يتضمن أصالة شعوبنا، ويستوعب مجمل التوجهات الحضارية والمدنية المعاصرة، ويستشرف مصالح وأهداف الأمة. وإننا إذ نمارس النقد العلمي للوعي القومي العربي التقليدي نطمح إلى تصفية كل ما هو متأخر فيه لربطه بالكونية والتقدم والديمقراطية، لأنّ هذا المضمون يشكل النقطة المركزية للمسألة القومية العربية. فالخطاب القومي يجب أن يرتفع إلى مستوى التحديات التي تجابهه، فالوحدة القومية مثلا ليست مجرد تجميع لأجزاء العالم العربي، من خلال أزلية الروح الخالد، بل هي محصلة لسيرورة تاريخية، ثقافية وحضارية، بما يحقق الشرط التاريخي لقيام الدولة القومية الواحدة.
التغيّرات العالمية وإمكانية نهوض موجة قومية جديدة
تؤكد تجارب التاريخ البشري أنّ النزوع القومي تجدد دوما خلال التحولات الكبرى التي شهدتها المجتمعات البشرية. وعليه فإنّ التغيّرات العالمية الجديدة، خاصة تحولات العلاقات الدولية بعد 11 سبتمبر/ أيلول 2001 وتداعياتها، تطرح إمكانية نهوض موجة ثانية للقومية في العالم، ستواجهنا بتساؤلات جديدة، وتحديات جديدة أيضا، مما يتطلب قدرا كبيرا من العمق في المراجعة ونقد الذات وإعادة الصياغة الفكرية والسياسية لقضايا المسألة القومية العربية، باعتبارها تمثل مسائل جوهرية عديدة تتداخل فيها مهمات التحديث الفكري والسياسي مع مهمات النهوض الاقتصادي والاجتماعي، وذلك بتجسيد وحدة المصير العربي كمنطلق للنهوض الحضاري، وهو ما يفترض مهمات إنجاز الوحدة العربية، وإيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية يضمن الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني بما فيها حقه في إقامة دولته المستقلة فوق ترابه الوطني بعاصمتها القدس الشرقية، وبما يضمن تحرر العراق ووحدته واستقلاله، وممارسة الديمقراطية كمنهج للتعامل السياسي على صعيد الدولة والمجتمع، منطلقين من أنّ مسألة إنجاز الدولة الحديثة هي جوهر تلك القضايا.
وتبدو أهمية إعادة طرح قضايا المسألة القومية العربية، من وجهة نظر تحاول أن تكون جديدة، حين نعرف أنّ القرن الواحد والعشرين سوف يشهد إعادة طرح واسعة لمشكلة الأمة والقومية. ففي الوقت الذي ينزع فيه العالم، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن يتعولم وإلى أن يخترق حدود الدول وسياداتها، وفي الوقت الذي تتعاظم فيه التبعية المتبادلة ما بين أمم العالم سياسيا و اقتصاديا وثقافيا وإعلاميا، وفي الوقت الذي تتسارع فيه حركة الرساميل والبضائع وتتضاعف السيولات المالية العابرة للقومية، وتتحكم الشركات المتعددة الجنسيات في الاقتصاد العالمي إنتاجا واستهلاكا. وبكلمة واحدة في الوقت الذي يتحول فيه العالم إلى " قرية كبيرة "، في هذا الوقت يُرَّدُ الاعتبار، على نحو لم يسبق له مثيل، إلى عدة مصطلحات قومية مثل: الهوية، والأصالة، والخصوصية. وتدبُّ حيوية في النزعات القومية التي يبدو أنّ قلق العولمة قد أيقظها في كل مكان من العالم.
كما أنّ العالم يتجه نحو قيام تكتلات بشرية كبرى، سواء على مستوى إقليمي أو قاري، تشكل مجالا حيويا في الاقتصاد، وعنصرا رئيسيا في الأمن، وضمانة فعلية للاستقلال السياسي، وشرطا ضروريا للتحرر من الهيمنة الخارجية. وقد أصبح واضحا أنه في عالم اليوم لا مكان للشعوب والدول الصغيرة التي لا تنضوي في كتل بشرية ضخمة تزيد في عددها عن مائة مليون نسمة على الأقل، وتزيد في مواردها عن حجم معين يمكّنها من الصمود والاسقرار.
وأخيرا، من المؤكد أنّ دور النزعة القومية في أوائل القرن الحادي والعشرين، مقارنة بدورها السابق، سيبدو منحسرا من زاوية حملها للتغيير التاريخي. فقد تمَّ إضعاف دور " الاقتصاديات القومية " حتى صار موضع تساؤل بفعل التحولات الكبرى في التقسيم الدولي للعمل، الذي تشكل المشروعات العابرة للقوميات من كل الحجوم وحداته الأساسية، وما يقابلها من تطور للمراكز والشبكات العالمية للتبادلات الاقتصادية التي تقع، لأغراض عملية، خارج سيطرة حكومات الدول.
كل هذا، صار ممكنا بفعل الثورات التكنولوجية في النقل والاتصال، وبفعل عهد طويل من الانتقالات الحرة لعوامل الإنتاج والأفكار فوق مساحة شاسعة من الكرة الأرضية، التي نشأت منذ الحرب العالمية الثانية، وتبلورت - أكثر فأكثر - في تسعينيات القرن العشرين. ومن المؤكد أنّ الأمم والحركات القومية، خاصة المضطهَدة منها، ستكون حاضرة في هذا التاريخ، ولكن بأدوار ثانوية، على الأقل في الأفق المنظور.
ويبقى السؤال عن مكانة العرب في ظل العولمة سؤال عن مكانتهم عموما في التاريخ، وبكلمة واحدة فإنه دون أن ينجز العرب " الدولة ـ الأمة " فلن يكون لهم مكان لا في العولمة ولا بعدها، كما لم يكن لهم مكان من قبل العولمة. إنّ فكرة الدولة ـ الأمة بدأت تظهر جديتها وأهميتها في ظل العولمة أكثر من ذي قبل بسبب التناقض الكبير بين السلطات السياسية والمجتمعات العربية، فالمجتمعات العربية تنتمي زمنيا، بصورة ما نسبية، إلى عصر العولمة فيما النظام السياسي في الوطن العربي ينتمي إلى مرحلة ما قبل الرأسمالية. إذ يبدو أنّ السلطات السياسية العربية وخطابها ومفرداتها وعلاقتها بالعالم أصبحت عقبة أمام الطبيعة التوحيدية للعولمة، ففي حين يتجه العالم ليصبح " قرية كونية " صار أولى بالقيادات العربية أن ترى العرب " قرية واحدة "، وبالتالي تبدو المسألة هنا سياسية – أساسا - وليست حضارية أو أخلاقية أو اجتماعية فحسب.
أهم أخطاء التيارات القومية
يتجه مفهوم الحركة القومية العربية إلى التعبير عن معنيين: أولهما، معنى واسع، يسهل على الباحث أن يكتشفه في معظم الكتابات الخاصة بالتراث القومي العربي، حيث يترادف مع التيار الفكري والسياسي للقومية العربية، الذي يتوسع بعض الباحثين العرب في الحديث عن نشأته وجذوره فيعودون إلى فترة الجاهلية لإثبات قومية العرب وسعيهم إليها منذ ذلك التاريخ، والبعض يتحدث عن الجذور الإسلامية. وثانيهما، معنى ضيق، أكثر واقعية، يشير إلى الواقع السياسي والاجتماعي الذي دفع العرب، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إلى الحديث عن ضرورة توفّر هوية سياسية لهم. وهذا المعنى ينطبق على البداية الحقيقية لنشأة القومية العربية، حيث كانت - آنذاك - تعبيرا عن حركة سياسية مناهضة للحكم العثماني، ساعدت الظروف السياسية والاجتماعية، التي مرت بها الأمبراطورية العثمانية آنذاك، على إثرائها وبلورتها.
وهكذا فإنّ مشروع النهضة العربية الحديثة قد استقى أغلب مفاهيمه وطموحاته وشعاراته من كتابات وتجربة الحداثة الأوروبية، فـ " لم يكن هناك في فضاء الفكر والثقافة والسياسة في العالم العربي، قبل احتكاكه بالحداثة الأوروبية، ما يمكن أن يعتبر خميرة أو جنينا لشعار " الاتحاد والترقي " الذي جعل منه المشروع النهضوي العربي قضيته الأساسية، إن لم تكن الوحيدة، ذلك لأنّ هذا الشعار نفسه هو مجرد ترجمة واقتباس لأحد شعارات الحداثة الأوروبية ".
وفي هذا السياق يجدر الانتباه إلى الاختلاف الجوهري بين مشروع الحداثة الأوروبية ومشروع النهضة العربية، من حيث أنهما لم يكونا " ينتميان إلى لحظة تاريخية واحدة، لم يكونا يعكسان نفس المرحلة من التطور. ذلك أنّ مرحلة الحداثة قد قامت في أوروبا القرن التاسع عشر بعد مرحلة " الأنوار " في القرن الثامن عشر، التي قامت هي نفسها بعد مرحلة النهضة الثانية في القرن السادس عشر، والتي سبقتها نهضة أولى في القرن الثاني عشر". ومعنى ذلك أنّ مشروع النهضة العربية كان عليه أن يتعامل مع " حداثة " استوعبت وتجاوزت " الأنوار" و " النهضة ".
إنّ الإيديولوجيا القومية العربية، بتفاوت بين حركاتها وتياراتها السياسية، لم تدرك - بعمق - مفاعيل الهيمنة الأمبريالية وقوانين عملها في العالم العربي، ليس كونها عاملا خارجيا فحسب، بل - أساسا - دورها في إعادة صياغة البنى الداخلية العربية لتكريس التجزئة. فبالرغم من إدراك هذه التيارات لضرورة التحديث والتنمية لكنها استنكفت عن الأخذ بالمضمون المعرفي والبنيوي للتحديث، حيث وقعت في " التلفيق " حين استخدمت مفهوم التحديث ولكنها قطعته عن أصوله المعرفية في آن واحد. فالوسطية الانتقائية بقيت خيارا، في النظر والعمل، لدى هذه الحركات.
كما أنّ أغلب مفكري الحركات القومية العربية ضغت عليهم النزعة الثقافوية، فأهملوا التنظير للدولة القومية، فقد كان اهتمامهم منصبّاً على التجزئة القومية وضرورة الوحدة العربية أكثر من اهتمامهم بقضية الدولة، التي حلموا بتحقيقها، فبقيت قضية التنظير للدولة قضية تابعة للقضية " الأصل " وهي الأمة. والأصل في هذا التقصير أنهم انطلقوا من أنّ الدولة العربية القطرية الحديثة " معوّق " للدولة العربية الواحدة، لأنها " تكرّس " الأمة داخل الحدود القطرية. وأساس الخطأ هو أنّ التيار القومي، خاصة عندما وصل بعضه إلى السلطة، لم يعطِ المسألة الديمقراطية اهتماما يُذكر، بل أنه كان ينظر إليها كعائق أمام التنمية، وأمام دور الحزب " الواحد " أو " القائد ". فالتعددية الفكرية والسياسية، وتنوّع المجتمع العربي قوميا وطائفيا وطبقيا، كانا يعنيان " الانقسام " و " التجزئة "، فلم يرَ التيار القومي فيهما مصدر إغناء للتجربة القومية.
لقد اهتم العرب بـ " مظاهر السلطة " أكثر مما اهتموا ببناء مرتكزات الدولة الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، فالبلدان العربية استوعبت المظاهر الهيكلية لجهاز الدولة ولعملية التبقرط، ولكنّ مفهوم الدولة نفسه، بما هو حق وقانون ومؤسسات ومواطنة، ظل شبه غائب. ويبدو أنّ مكمن الإشكال راجع إلى أنّ الدعوة القومية العربية، بالرغم من الزخم الذي واكبها في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي خاصة، لم تبدع آليات تحققها وإنجازها في معترك التاريخ.
نحو إعادة هيكلة الفكر القومي وطرح قضاياه
بعد أن انهار عالم كامل من الوقائع والأحلاف والمسبقات والمفاهيم والمبادئ والأوهام، لا بدَّ من مراجعة فكرية جذرية للخطط والسياسات والمُثُل والعقائد والأفكار التي بلورت الإخفاق العربي وقادت إليه. إنّ القطيعة المطلوبة مع الفكر والإشكاليات والأطروحات القومية القديمة تفترض الإمساك بالجوهر والإحالة إليه، والامتناع عن الدخول في التفاصيل. إضافة إلى أنّ إعادة هيكلة هذا الفكر تقتضي تعيين المحاور والمستويات التي تستدعي إبراز المشاكل والأزمات التي كانت الحركة العربية تخفيها أو تمر عليها مرور الكرام. وإذا كان وضوح الرؤية شرطا ضروريا لنجاح أي عمل، فإنّ الرؤية الواضحة " لا تنبثق إلا عبر قطيعة مع الرؤى القديمة و(محاولة) تصفية الحساب معها نهائيا ". باعتبار أنّ الحق قبل الاعتقاد، والعلم والمعرفة قبل الإيديولوجيا، والواقع الموضوعي قبل الميل الذاتي والتفكير الرغائبي. إضافة إلى أنّ الفكر السائد في العالم العربي - بشكل عام – يكاد يغلب عليه الطابع الإيديولوجي الخالص، إنه يتسم بالهشاشة النظرية التي لا تتيح الامتلاك المعرفي لحقائق الواقع وضروراته واحتياجاته وحركته المستقبلية، ولهذا فهو أقرب إلى تكريس الواقع القائم وإعادة إنتاجه.
لقد تبلورت رؤيتان عربيتان مختلفتان لمفهوم الأمة: أولاهما، تلك التي تنظر إلى الأمة بالمعنى التقليدي ( الأمة = الملة )، تلك التي تنظر إليها بوصفها عملية استعادة للماضي، الذي يُختزَل إلى لغة مقدسة، أو تاريخ مُؤَقنَم ومُنتَقى ومُجَزّأ، أو إلى " جوهر" عربي ميتافيزيقي محلّق فوق التاريخ، ومتجسد في " رسالة خالدة ".
وثانيتهما، تلك التي تنظر إلى المشروع القومي في منحى عصري ومستقبلي، ليس همه استعادة الماضي، بل بناء المستقبل على ضوء الخبرات التاريخية للماضي، وعلى أسس الحاضر، وتعيد الاعتبار إلى دور الدولة القومية في بناء الأمة وتطويرها، ولا تحصر دور الدولة في مجرد تتويج المسار القومي. والواضح أنه لا يمكن للأمة أن تستكمل وجودها بالفعل إلا بالدولة، فالدول طوال تاريخ الإنسانية إما خلقت الأمة تماما أو أطّرت قدراتها أو عزّزت مقوّماتها. ولا شك أنّ ثمة فرقا كبيرا بين " قيام الدولة " و " وجود الأمة "، فالأمة العربية موجودة بالإمكان وعوامل وجودها قائمة، والتجزئة ليست ناتجة عن عدم اكتمال عوامل وجود الأمة، بل عن السيطرة الأمبريالية، وعن تشكّل مصالح قطرية، إضافة إلى معوّقات بنيوية اقتصادية واجتماعية وثقافية وجغرافية.
وفي الواقع، لا يمكن التحدث عن مفهوم معاصر للعروبة إلا إذا اشترط عليه أن يشهد تحوّلا كيفيا يمتلك من خلاله بعض السمات، ويحيط نفسه بمجموعة قرائن تجعل من العروبة مقولة مقبولة من جماهير العرب ونخبها، بما عليها أن تشكل في طياتها من مخزون يحوي قدرا من التحرر والديمقراطية والتنوع. وإذا كانت بعض التجارب التاريخية تدلنا على أنّ الوحدة القومية هي عملية تستبق المفاهيم التي تحكم البنية الآخذة في التكوّن، وقد يكون ممكنا حصولها بالقوة أو تحت ضغط الإرادة الجماهيرية أو في مواجهة عدو مشترك، إلا أنه في زمن اتحاد الديمقراطيات بات للوحدة شروط تسبقها وإجراءات على الشعوب اتخاذها. لأنه، ببساطة، ما يطرح اليوم هو اتحاد دول وكيانات مستقلة وليس وحدة أمبراطورية. وإذا كان من الطبيعي أن تنتشر العروبة في فترات تمددها، إلا أنّ القرن الماضي شهد ما يشبه التموضع لهذا المفهوم في اللاوعي العربي، حيث اكتفت الجماهير بحالة التضامن المعنوي والمادي في بعض الأحيان على حساب الإنجازات العملية على الأرض وذلك برغم محاولات التوحد المتعددة. لقد دخلت العروبة في مخيال الأمة وسكنت أحلام الجماهير على أنها البديل من واقع الحال المتردية من تشرذم سياسي وضعف اقتصادي، وبقيت العروبة على حالها منذ ذلك الحين مفهوما يجسد الهوية والانتماء، ومشروع وحدة قوميا اقتصاديا تنمويا، كلما مر الزمن كان يقترب إلى الحلم أكثر منه إلى الواقع.
بين عروبة الخمسينيات من القرن العشرين وعروبة اليوم نصف قرن استُهلكت خلاله القيم الشمولية، وبرزت فيه الديمقراطية مفهوما يستعاض به عن العصبوية الموحِّدة والمكوِّنة للدول والمجتمعات، وأظهرت التعددية قدرتها على أن تكون فعل انسجام ودافعا محركا للوحدة الوطنية تحت رعاية الدولة والمؤسسات، ولم يعد الصراع القومي مع العدو يشكل وحده دافعا كافيا لإرادة التوحد، بل باتت شروط الوحدة أكثر تعقيدا، هذا كله والنظام السياسي العربي على حاله.
على العروبة اليوم أن تفعّل التثاقف الحضاري وأن تميّز بين القيم الغربية كجزء من القيم الإنسانية العامة وبين التدخل الغربي كمشروع سيطرة على مصادر الثروة يخدم التراكم الرأسمالي في الغرب. على العروبة اليوم أن تكون مشروعا تنمويا اقتصاديا واجتماعيا ومشروعا علميا تكنولوجيا، وعليها أن تكون مشروع حرية في مجالات الإعلام والثقافة والفكر، وعليها حماية واحتضان المجتمع المدني.
تونس في 6/5/2007 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
"الرأي / خاص"
---------------------------------------------------------
ردود فعل أوروبية إيجابية على فوز حزب العدالة والتنمية التركي
: أحتفالات بالفوز
.
رغم المخاوف الأوروبية من الإسلام السياسي إلا أن فوز حزب العدالة والتنمية التركي ذي الجذور الإسلامية لقي ترحيبا من أطراف أوروبية محافظة ويسارية على حد سواء. المراقبون يؤكدون على تواصل اقتراب تركيا من الاتحاد الأوروبي.
بينت النتائج غير الرسمية للانتخابات التركية حصول حزب العدالة والتنمية على 47 بالمائة من أصوات الناخبين الأتراك بزيادة حوالي 12 نقطة عن عام 2002. ورغم زيادة نسبة المؤيدين لهذا الحزب إلا أن توحد أحزاب المعارضة سيؤدي إلى حصول حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي على 341 مقعدا من 550 مقعدا وهو ما يقل عن المقاعد الـ 363 التي يشغلها حاليا.
المفوضية الأوروبية ترحب بفوز حزب العدالة والتنمية
: البرتغالي جوزيه مانويل باروسو
رئيس المفوضية الأوروبية يرحب بفوز إردوغان ويشيد بتوجهاته الأوروبية
وفي أول رد فعل أوروبي على نتائج الانتخابات التركية هنأ جوزيه مانويل باروسو، رئيس المفوضية الأوروبية رئيس الوزراء التركي طيب إردوغان على الفوز. وأشار باروسو الى التزام إردوغان بعلاقات أوثق مع الاتحاد الأوروبي. وقال باروسو في بيان صدر عنه: "إن هذا الفوز يأتي في وقت مهم للشعب التركي حيث تتحرك فيه البلاد إلى الأمام بإصلاحات سياسية واقتصادية".
من جهته قدم أردوغان عقب إعلان نتائج الانتخابات التزامه الشخصي بالتحرك الثابت صوب الانضمام للاتحاد الأوروبي. وقال فرانكو فراتيني، مفوض شؤون العدالة والأمن بالاتحاد الأوروبي، لصحيفة لاريبوبليكا الإيطالية إن إردوغان ساعد بالفعل في تقريب تركيا من أوروبا سياسيا واقتصاديا وحثه على مواصلة الخطوات لتحسين وضع حقوق الإنسان والمحافظة على العلمانية في تركيا.
السويد وبريطانيا تريدان علاقة أوثق مع تركيا
: بريطانيا تعد من أهم الدول الأوروبية المؤيدة لإنضمام تركيا للإتحاد ووزير خارجية بريطانيا دافيد ميليباند يرحب بنتيجة الانتخابات
وكانت المفاوضات الأوروبية- التركية بشأن ضم تركيا للإتحاد الأوروبي قد توقفت جراء نزاع تجاري مع قبرص. وتقف فرنسا حاليا ضد انضمام تركيا للاتحاد حيث يعارض رئيسها الجديد نيكولا ساركوزي هذا الأمر. ورغم ذلك فإن وزير الخارجية السويدي كارل بيلت قال إنه يعتقد أن هذا الفوز سيزيد تركيا قربا من الاتحاد الأوروبي. وأضاف الوزير السويدي للصحفيين عند وصوله لحضور اجتماع لوزراء الخارجية الأوروبيين في بروكسل: "لقد أعيد انتخابهم (حزب العدالة والتنمية) بتفويض إصلاحي قوي للغاية لمواصلة الإصلاحات الأوروبية التي كانوا ينفذونها خلال الأعوام القليلة الماضية".
وحثت بريطانيا الأسرة الأوروبية على دعم جهود إردوغان لقيادة حكومة مستقرة. وقال وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند قبل حضور اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي: "من المهم للغاية في شتى أنحاء أوروبا أن نمد أيدينا للحكومة الجديدة في تركيا عندما تتشكل. الوضع السياسي المستقر والأمن في تركيا في مصلحتنا بشكل كبير".
"فوز حزب العدالة والتنمية لا يهدد العلمانية التركية"
: جيم أوزديمير (ألماني من أصل تركي)
يمثل اتحاد الأحزاب الخضراء في البرلمان الأوروبي ولا يرى في نتيجة الانتخابات تهديدا لعلمانية الدولة
وكان حزب الشعب الأوروبي، وهو حزب يمثل أهم الأحزاب المسيحية والمحافظة في الدول الأوروبية في البرلمان الأوروبي، قد رحب بفوز إردوغان في الانتخابات البرلمانية. وقال رئيس الحزب الألماني فيلفريد مارتينز: " إن فوز حزب العدالة والتنمية يؤكد دوره كقوة سياسية يعتمد عليها وذات توجه أوروبي واضح".
أما عضو البرلمان الأوربي البارز عن تحالف الأحزاب الخضراء الأوروبية جيم أوزديمير (ألماني من أصول تركية) فقال في مقابلة مع موقع دويتشه فيله إنه لا يرى في فوز حزب العدالة والتنمية تهديدا للعلمانية التركية مشيرا إلى أن "الأمر هو على العكس من ذلك". وبين أوزديمير أن على الاتحاد الأوروبي الآن أن يجدد مفاوضاته مع تركيا بشأن انضمامها للاتحاد موضحا أن فوز حزب العدالة والتنمية يضع الكرة في ملعب الاتحاد الأوروبي.
كما وافق أزدمير في هذا الموقف الباحث الألماني كريستوف نويمان الذي يعمل في جامعة بيلجي في إسطنبول، حيث قال أنه يكاد لا يوجد مفكرون ومثقفون إسلاميون أتراك يحملون فكرة تأسيس جمهورية إسلامية. ويؤكد نويمان أنه حتى إسلام الدولة العثمانية كان "إسلاما في خدمة مفهوم الدولة" وليس العكس. لذا يرى الباحث أنه لا يوجد أساس للمخاوف التي تقول بإمكانية تحول تركيا إلى جمهورية إسلامية على غرار إيران.
دويتشه فيله/وكالات (ب.ح.)
----------------------------------------------------------------------
زيادة الرواتب ومعيشة المواطن السوري
مواضيع للحوار
سيريا نيوز
تتحدث إشاعة قوية عن زيادة مرتقبة في رواتب الموظفين في سورية.
شهدت سورية منذ العام 2000 زيادات متتالية لرواتب الموظفين الحكوميين أدت إلى نقلة نوعية في تلك الرواتب، لكن مع كل زيادة جديدة في رواتب الموظفين في سورية، يعود الجدل من جديد حول جدوى هذه الزيادات وانعكاساتها على معيشة المواطن.
البعض يرى أن زيادة الرواتب ترفع من مستوى معيشة الموظف، كما أنها تنعش الاقتصاد السوري بصورة كلية، حينما تدفع بالموظف إلى زيادة معدل استهلاكه، مما يؤدي إلى ضخ المزيد من السيولة في السوق.
في المقابل يرى البعض أن زيادات الرواتب لم تنعكس إيجابياً على معيشة المواطن السوري لأنها دوماً كانت تترافق مع ارتفاع ملحوظ في أسعار مجمل السلع في السوق، وأن كل هذه الزيادات ترجع فائدتها في المحصلة إلى جيوب التجار، ويبقى المواطن السوري الخاسر الوحيد في هذه المعادلة.
فما رأيك فيما سبق؟
هل تعتقد أن زيادات الرواتب في السنوات الماضية قد رفعت من مستوى معيشة المواطن السوري؟
هل تؤيد زيادة الرواتب كوسيلة لرفع مستوى المعيشة في سورية؟
تعليقات قارئ من سيريا نيوز
2007-07-23 14:09:55
عبد الحليم حافظ
قارئة الفنجان "1"
نظرت والخوف بعينيها تتأمل راتبي المحسوب.. قالت يا ولدي لا تحزن فالطفرعليك هوالمكتوب.. ستطير رواتبك سريعاً كماء في صحن مثقوب.. وسيقرع بابك سمّان يطالبك بما هو مطلوب.. وستجلدك فواتير الجوال، مالك والموبايل يامغضوب.. فابحث بين جميع الجزارين وستلقى الغول هو المحبوب..
عبد الحليم حافظ
قارئة الفنجان "2"
فاللحمة صارت أحلاما اسعارها لا تناسب الجيوب.. ولو طلبها العيال منك انهرهم بالصوت المقلوب.. فأنت موظف يا ولدي جمعت رواتبك العيوب.. ما بين الفواتير تذوي وباقيها بنار الغلاء يذوب.. لا تحزن ياولدي لا تحزن فدوريات التموين تجوب..
عبد الحليم حافظ
قارئة الفنجان "3"
لكن الغلاء يزداد صعوداً وتشتد رياحه بالهبوب.. فكلما قبضت الراتب يا ولدي اعلم سلفاً انه مسحوب.. فلا هو لأكل الفلافل يكفي وأنت أمامه مغلوب مغلووووووب
---------------------------------------------------------------
